بعد أكثر من عقدين من المفاوضات الشاقة والمتعثرة، أعلنت دول الاتحاد الأوروبي ودول تكتل "ميركوسور" في القارة الأمريكية اللاتينية التوقيع على اتفاقية للتجارة الحرة، في خطوة أنهت واحدة من أطول جولات التفاوض التجاري في العالم بعد تجاوز عقبات فنية معقدة وتبديد مخاوف اقتصادية و سياسية.
وتؤسس الاتفاقية واحدة من أكبر مناطق التجارة الحرة عالميا، إذ تشمل أكثر من 700 مليون نسمة، وبناتج اقتصادي إجمالي يناهز 22 تريليون دولار، وتضم الدول السبع والعشرين الأعضاء في الاتحاد الأوروبي إلى جانب أربع دول من أمريكا الجنوبية هي البرازيل والأرجنتين والأوروغواي والباراغواي، المعروفة بثقلها الكبير في صادرات المنتجات الزراعية، ولا سيما لحوم الأبقار والسكر وفول الصويا والدواجن.
وتنهي الصفقة أكثر من عقدين من الخلافات والاعتراضات المتبادلة، بعدما تعهدت دول "ميركوسور" بفتح أسواق المشتريات العامة أمام الشركات الأوروبية بنفس الشروط التي يخضع لها المنافسون المحليون.
ووفق تقديرات "بلومبرغ إيكونوميكس"، يتوقع أن يعزز الاتفاق اقتصاد دول "ميركوسور" بنسبة 0.7 بالمئة بحلول عام 2040، فيما يحقق اقتصاد الاتحاد الأوروبي نموا بنحو 0.1 بالمئة خلال خمسة عشر عاما، بينما تشير المفوضية الأوروبية إلى أن شركات الاتحاد ستوفر أكثر من 4 مليارات يورو سنويا من الرسوم الجمركية.
وفي الإطار التنظيمي، تنص الاتفاقية على الاعتراف بـ 344 "مؤشرا جغرافيا"، لحماية المنتجات الأوروبية من التقليد إلى جانب تأمين إمدادات المعادن الحيوية وتقليص اعتماد الاتحاد الأوروبي على الصين، إذ ستؤدي تدريجيا إلى إلغاء حوالي 90 بالمئة من الرسوم الجمركية في القطاعات الصناعية والخدمية والزراعية مثل لحوم الأبقار والدواجن ومنتجات الألبان والسكر والإيثانول مقابل فتح أسواق دول "ميركوسور" أمام الصناعات الأوروبية.
وكانت المفاوضات بين التكتلين، قد تعثرت مرارا، وأحدثت انقساما بين الدول الأوروبية واعتراضات من آلاف المزارعين في دول مثل فرنسا وإيرلندا وهنغاريا وبولندا والنمسا.
وترى بعض الدول أن الاتفاق قد يؤدي إلى إغراق الأسواق الأوروبية بمنتجات غذائية أقل كلفة، لا تلتزم بالضرورة بمعايير الجودة المعمول بها في الاتحاد الأوروبي، ما يهدد استدامة العديد من المزارع العائلية.
وفي هذا السياق، تؤكد باريس، على وجه الخصوص، أن القوانين البيئية والصحية الأوروبية ترفع كلفة الإنتاج وتحد من قدرة المزارعين على منافسة الواردات القادمة من أمريكا اللاتينية، حتى في ظل تدابير الحماية التي فرضها الجانب الأوروبي خلال المفاوضات، إذ إن هذه التدابير لم تُقنع الرافضين والدول المشككة بنتائج الاتفاقية معتبرين أنها "غير كافية" أو "يصعب تطبيقها عمليا".
وتشير تقارير وكالة "بلومبرغ" المتخصصة في الشؤون الاقتصادية إلى أن مخاوف المزارعين الفرنسيين من الأغذية المستوردة تتقاطع مع أزمات أعمق يواجهها القطاع، من بينها تأثيرات التغير المناخي على المحاصيل، إضافة إلى تفشي أمراض حيوانية ألحقت خسائر كبيرة بقطاع تربية الأبقار.
وقد دفعت هذه العوامل منظمات ونقابات زراعية، لحث المزارعين على التظاهر أمام مقر البرلمان الأوروبي في ستراسبورغ لإسماع القادة الأوروبيين صدى أصواتهم المتحفظة.
كما دفعت كبرى شركات توزيع اللحوم التي تستحوذ على نحو 40 بالمئة من السوق الفرنسية للحديث عن أنها ستتحمل مسؤولية أساسية بعد إقرار الاتفاق، في منع وصول اللحوم وخصوصا من البرازيل إلى رفوف المتاجر الفرنسية.
ورغم المساعي التي بذلتها باريس لتعديل بنود الاتفاق أو رفضها بشكلها الأخير، فإنها فشلت في نهاية المطاف في حشد أقلية معارضة لمنع عملية التوقيع، بعد تراجع الدعم الحاسم من إيطاليا في المرحلة الأخيرة.
ويعزى تحول الموقف الإيطالي بعد نجاح روما في تأمين تمويل لمزارعيها اعتبارا من عام 2028 وإعفاء الأسمدة من الضريبة الحدودية على الكربون التي فرضها الاتحاد الأوروبي، لكن فرنسا رغم ذلك تمكنت من فرض بند وقائي يسمح بإعادة فرض الرسوم الجمركية إذا ارتفعت نسبة الواردات من "ميركوسور" بأكثر من 5 بالمئة في القطاعات الحساسة.
وفي الوقت الذي تقود فيه فرنسا موقف رفض للاتفاقية التجارية بين الاتحاد الأوروبي ودول "ميركوسور"، فإن دولا مثل ألمانيا وإسبانيا تساند هذه الاتفاقية بدعم من نقابات عمالية.
ويعتبر مؤيدو هذه الاتفاقية أن إقرارها يمثل وسيلة لإعادة تنشيط الاقتصاد الأوروبي عبر تخفيض جزء كبير من الرسوم الجمركية، ما قد يدعم صادرات الاتحاد من السيارات والآلات والأجبان ويساهم في الحد من العجز التجاري الذي يواجه بعض الاقتصادات الأوروبية.
وترى هذه الدول أن رفض الاتفاقية سيضيق الآفاق المنشودة لدخول واحدة من أكثر المناطق غنى بالموارد الزراعية والطبيعية، وسيضعف موقع الاتحاد الأوروبي في المنافسة الجيوسياسية والتجارية العالمية، خاصة في ظل توسع نفوذ الصين وروسيا في أمريكا اللاتينية.
ووفق "بلومبرغ إيكونوميكس" تشير الأرقام إلى أن حصة الاتحاد الأوروبي من تجارة "ميركوسور" تراجعت إلى 14 بالمئة مقارنة بـ23 بالمئة عام 2001، في حين يرى مؤيدو الاتفاقية أنها ستوسع شبكة التجارة الأوروبية لتغطي نحو 97 بالمئة من اقتصاد المنطقة، مقارنة بـ44 بالمئة للولايات المتحدة و14 بالمئة للصين، وفق بنك "سانتاندير".
وتمثل صفقة "ميركوسور" اختبارا حقيقيا لقدرة الاتحاد الأوروبي على موازنة التوسع التجاري العالمي مع حماية اقتصادات دوله المحلية، في ظل ارتفاع تدابير الحمائية التجارية والضغوط الاجتماعية داخل أوروبا.
وتتزامن هذه الاتفاقية مع تحديات عالمية تتشكل في سياق سياسات تجارية اتبعتها الإدارة الأمريكية الجديدة، التي أعادت رسم هياكل الاقتصاد العالمي بعد فرض رسوم جمركية على عدد من الدول الأوروبية.
وقد جاء توقيع الصفقة بين الاتحاد الأوروبي و "ميركوسور" بعد ساعات من إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، فرض رسوم جمركية جديدة بنسبة 10 بالمئة على ثماني دول أوروبية بداية من شهر فبراير القادم، على خلفية مواقفها من قضية جزيرة غرينلاند القطبية الغنية بالمعادن.
وقال الرئيس الأمريكي في منشور على منصة "تروث سوشيال" إن الرسوم ستطبق على جميع السلع المصدرة إلى الولايات المتحدة من الدنمارك والنرويج والسويد وفرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة وهولندا وفنلندا، بسبب إجراءات اتخذتها تلك الدول ضد رغبة الرئيس الأمريكي في تملك تلك الجزيرة لمصلحة بلاده.
على الصعيد المؤسسي، لا تزال الاتفاقية بحاجة إلى مصادقة البرلمان الأوروبي قبل دخولها حيز التنفيذ، ويواجه النواب مهمة صعبة بين المؤيدين الرافضين، إذ ستتضمن عملية التصويت تقييم المصلحة الوطنية مقابل المصلحة الأوروبية العامة، ومن المتوقع أن يتم التصويت النهائي على الاتفاقية في نهاية الأسبوع المقبل، بما في ذلك إمكانية الطعن أمام أعلى محكمة في الاتحاد الأوروبي.
ويرى خبراء أن المصلحة الوطنية لا تنفصل عن المصلحة القارية، إذ يمكن للاتفاقية مساعدة أوروبا على مواجهة تراجعها التجاري أمام الولايات المتحدة والصين، وإثبات قدرتها على تقديم بديل اقتصادي موثوق للقارة الأمريكية الجنوبية، خصوصا في وقت تتسابق فيه الدول الأوروبية لجذب الاستثمارات، وتطوير الصناعة، وتأمين احتياطيات المعادن النادرة الضرورية للتحول نحو الاقتصاد الأخضر والتقدم الرقمي