منى عبد السلام الطراونة واحدة من الأسماء التي لا يمكن تجاوزها عند الحديث عن التجارب الإعلامية الجريئة في التلفزيون الأردني. فهي حالة إعلامية متكاملة، جمعت بين الحضور القوي، والجرأة في الطرح، والقدرة على ملامسة القضايا الحساسة بوعي مهني ومسؤولية أخلاقية، ما جعلها صوتًا مستقلًا ومتسائلًا في فضاء إعلامي اعتاد لفترات طويلة على الخطاب التقليدي.
عرفها الجمهور بلقب «سوسنة التلفزيون»، وهو لقب لم يأتِ من فراغ، بل من حضورها اللافت على الشاشة، وشخصيتها الواثقة، وأدائها الذي يجمع بين الجاذبية والعمق، بعيدًا عن الاستعراض أو الإثارة المجانية.
نشأت منى الطراونة في بيئة قريبة من الإعلام، كونها ابنة الإعلامي والصحفي الأردني المعروف عبد السلام الطراونة، وهو ما أتاح لها احتكاكًا مبكرًا بعالم الصحافة والتلفزيون، وأسهم في تكوين وعيها المبكر بطبيعة المهنة وتحدياتها، وفهم أدواتها ومتطلباتها منذ سنواتها الأولى
ورغم هذا القرب من الإعلام، لم تدرسه أكاديميًا، إذ حصلت على درجة البكالوريوس في الهندسة الزراعية من الجامعة الأردنية، في مسار يبدو بعيدًا ظاهريًا عن الإعلام، لكنه أسهم في بناء شخصيتها التحليلية والمنهجية، وهو ما انعكس لاحقًا على أدائها المهني.
بدأت منى الطراونة مسيرتها الإعلامية بعد تقدمها لاختبار اختيار مذيعين جدد في التلفزيون الأردني، حيث تم قبولها، وخضعت بعدها إلى دورة تدريبية مكثفة استمرت ستة أشهر، شكّلت بوابتها الفعلية إلى الشاشة.
كان أول ظهور تلفزيوني لها عام 1996 عبر برنامج ترويجي على شاشة الفضائية الأردنية، قبل أن تنتقل إلى العمل الميداني من خلال إعداد التقارير الإخبارية لبرنامج «ستون دقيقة»، ما أتاح لها فهمًا عميقًا لصناعة الخبر، والعمل خلف الكاميرا، قبل تثبيت حضورها أمامها.
مع مرور الوقت، بدأت منى في تقديم برامج متنوعة أسهمت في توسيع خبرتها وبناء حضورها التدريجي. فقدّمت برنامج «دنيا الحب» المخصص لذوي الاحتياجات الخاصة خلال شهر رمضان، في تجربة إنسانية عكست اهتمامها بالقضايا الاجتماعية، وقدّمته بروح قريبة من الناس وبساطة «بنت البلد».
كما خاضت تجارب في برامج المسابقات والترفيه، مثل «العيلة بالليلة» و«الشاطر يكسب»، إلى جانب تغطية العديد من المهرجانات والفعاليات، ما أتاح لها التنقل بين أنماط إعلامية مختلفة دون أن تحصر نفسها في قالب واحد.
لاحقًا، انضمت إلى فريق البرنامج الصباحي «يوم جديد»، حيث رسّخت حضورها اليومي على الشاشة، وقدّمت محتوى قريبًا من الناس، يعالج قضاياهم الحياتية والاجتماعية بأسلوب تفاعلي مبسّط، عزّز علاقتها بالجمهور.
في عام 2015، خاضت منى الطراونة تجربة مختلفة من خلال برنامج «البعد السابع»، الذي تناول ظواهر غامضة وغير مألوفة مثل السحر، والشعوذة، وما وراء الطبيعة، إضافة إلى موضوعات مثل مواجهة الحيوانات المفترسة، وقراءة الأفكار، والسحر الأسود.
تميّز البرنامج بمحاولة تقديم هذه القضايا من زوايا علمية واجتماعية ودينية، بعيدًا عن التهويل، رغم ما أثاره من ردود فعل متباينة بين الخوف والاندهاش. وقد أكدت الطراونة أن الهدف لم يكن إثارة الرعب، بل توعية الجمهور، وكشف الحقائق، وفتح باب النقاش حول ما يُتداول في المجتمع دون فهم علمي أو نقدي.
وقد وصلت هذه التجربة في بعض مراحلها إلى تحديات شخصية، حيث واجهت ضغوطًا وتهديدات من أشخاص مرتبطين بممارسات ناقشها البرنامج، ما دفعها للتأكيد مرارًا أن الإعلامي يحتاج إلى قوة شخصية، وثقة بالمعلومة، وشجاعة في الطرح.
بلغت مسيرة منى الطراونة ذروتها من حيث الجدل والجرأة مع تقديمها برنامج «تابو» عام 2016 على شاشة التلفزيون الأردني. وهو برنامج أسبوعي كُتب له أن يكون علامة فارقة في الإعلام المحلي، لما حمله من طرح مباشر لقضايا اعتُبرت «محظورة» في الإعلام الرسمي.
تناول البرنامج مجموعة من القضايا الحسّاسة التي نادرًا ما طُرحت بشكل مباشر في الإعلام الرسمي، من بينها العنف والتطرّف الإلكتروني، وتجنيد الأطفال في العصابات أو الجماعات المتطرّفة، إضافة إلى الفساد السياسي والمالي، والأخطاء الطبية والأدوية المزوّرة، فضلًا عن قضايا الصحة العامة وما يرتبط بها من خجل اجتماعي، في محاولة لفتح نقاش جاد ومسؤول حول ملفات مسكوت عنها تمسّ حياة المجتمع بشكل مباشر.
وقد أثار «تابو» ردود فعل واسعة ومتباينة، وصلت إلى محاولات إيقاف بعض حلقاته قبل البث، وإيقاف إحدى الحلقات فعليًا، بسبب حساسية القضايا المطروحة. ورغم ذلك، استمر البرنامج لموسمين، وسجّل حضورًا لافتًا في الذاكرة الإعلامية الأردنية.
وأكدت منى الطراونة في أكثر من مناسبة أن التحدي الأبرز في تجربتها لم يكن إدارة الحوار مع الضيوف، بقدر ما كان التعامل مع القيود الرقابية، موضحة أنها التزمت بعدم التشهير بالأفراد، والاعتماد على الوثائق والمعلومات الموثوقة، وطرح القضايا ضمن إطار النقاش العام الهادف، مع السعي للتواصل مع الجهات المعنية بحثًا عن حلول. وترى الطراونة أن أخطر أشكال «التابو» في المجتمعات العربية لا يكمن في موضوعات محددة، بل في غياب تقبّل الرأي والرأي الآخر، معتبرة أن تجاوز هذا الحاجز يمثل مدخلًا أساسيًا لأي إصلاح فكري أو اجتماعي
تُعرف منى الطراونة بشخصيتها الواضحة وجرأتها المهنية وثقتها بأدواتها، وهو ما منحها قبولًا لدى شريحة من الجمهور الباحث عن إعلام يقوم على التوثيق والدليل بعيدًا عن الإثارة والتسطيح. وقد أسهم حضورها المبكر على شاشة التلفزيون الأردني في ترسيخ موقع للإعلام النسوي ضمن سياقه المهني، خاصة في مرحلة سبقت انتشار الفضائيات ومنصات التواصل الاجتماعي. ويتميّز أداؤها بالبساطة والاتزان، مع حضور فكري وتمكّن لغوي واضح، حيث يظل تركيزها منصبًّا على وضوح الرسالة وقوة المضمون أكثر من أي اعتبارات شكلية.
يدفع تتبّع مسيرة منى الطراونة إلى مقارنة تلقائية بين جيلها من الإعلاميات وما يُعرض اليوم على كثير من الشاشات. إذ يفتقد المشاهد أحيانًا البساطة المهنية، والحرفية العالية، والتمكن من اللغة العربية، التي كانت سمات أساسية لجيل الروّاد، مع استثناء القنوات الإخبارية الكبرى التي ما زالت تحافظ على معايير صارمة في اختيار إعلامييها.
في مرحلة لاحقة، كشفت منى الطراونة في حوار صحفي عن مشروعها الإعلامي الجديد «قناة نشمي»، الذي بدأ كحلم وأصبح واقعًا، كمبادرة إعلامية رقمية على منصات التواصل الاجتماعي.
انطلقت فكرة القناة من رغبتها في تأسيس منبر إعلامي حر يعبر عن صوت الشباب والمواطن، ويمكّنهم من المشاركة في طرح القضايا التي تهمهم. وتقدم القناة محتوى متنوعًا يشمل برامج في الشباب، القانون، الرياضة، السياسة، إضافة إلى برامج للأطفال يشارك فيها الأطفال أنفسهم.
كما تستقبل القناة فيديوهات مصوّرة من المواطنين حول قضايا عامة، ليتم تناولها ومناقشتها من قبل مختصين أو مسؤولين، في محاولة لربط الإعلام الرقمي بحل المشكلات، وليس الاكتفاء بعرضها.
وأكدت الطراونة أن طموحات المشروع كبيرة، وأنه يسعى للوصول إلى أوسع شريحة ممكنة، مستفيدة من سرعة الانتشار والتأثير التي توفرها وسائل التواصل الاجتماعي، مع تأكيدها أن هذه الوسائل ليست بديلًا عن التلفزيون، بل مكملة له، وأن عدد المشاهدات لا يعني بالضرورة جودة المحتوى.
كما فرّقت بوضوح بين الإعلامي و«اليوتيوبر»، مؤكدة أن «نشمي» يقدم إعلامًا هادفًا يستخدم المنصات الرقمية كأداة وصول، لا كغاية بحد ذاتها، مشددة على أن التلفزيون الأردني سيبقى مدرستها الأولى التي تعلمت فيها أصول المهنة.
تمثل منى الطراونة تجربة إعلامية متكاملة شكّلت حضورًا راسخًا في شاشة التلفزيون الأردني، تنوّعت فيها البرامج بين الترويجي والإخباري والاجتماعي والترفيهي، وصولًا إلى «تابو» و«نشمي»، مقدّمة نموذجًا لإعلامية تعاملت مع مهنتها بوصفها رسالة ومسؤولية قبل أن تكون حضورًا أو شهرة، وهو ما أبقى اسمها حاضرًا في ذاكرة المشاهد الأردني من خلال خياراتها المهنية وجرأتها المتزنة وثباتها أمام الكاميرا.