انطلقت مبادرة «خليها تفاحة» من قناعة شخصية بأن الدور التربوي لا يكتمل داخل أسوار الحصة الصفية، بل يمتد ليشمل بناء وعي صحي وسلوكي يحمي الطلبة ويُسهم في تنمية المجتمع. فقد لاحظت، من خلال الواقع المدرسي، فجوة واضحة بين المعرفة الصحية المتوافرة لدى الطلبة وأولياء الأمور، وبين السلوكيات اليومية المرتبطة بالتدخين والتعرّض له بوصفهم مدخنين سلبيين، الأمر الذي شكّل دافعًا حقيقيًا لتحمّل مسؤولية القيادة والمبادرة بالفعل.
في المرحلة الأولى، حرصت على أن تنطلق المبادرة من تشخيص واقعي قائم على البيانات، فتم تنفيذ تقييم قبلي شامل أسهم في كشف جوانب الضعف في المعرفة الصحية، والاتجاهات، والسلوكيات. هذا التقييم لم يكن إجراءً شكليًا، بل أداة جوهرية لاتخاذ القرار، أعادت توجيه التخطيط نحو احتياجات فعلية، وعزّزت لديّ قناعة بأن القيادة الفاعلة تبدأ بالفهم العميق للواقع قبل تقديم الحلول.
وخلال مرحلة التخطيط، عملت على تحويل الرؤية العامة إلى أهداف واضحة قابلة للقياس، وربط الأنشطة بمؤشرات أداء محددة، بما يضمن وضوح الأثر المتوقع. وفي هذا السياق، مارست القيادة بوصفها عملًا تشاركيًا، فتم تمكين المعلمات والطالبات، وتوزيع الأدوار وفق الكفايات، وتشجيع المبادرات الفردية، مما أسهم في تعزيز روح المسؤولية والانتماء، وتحويل المبادرة إلى مشروع جماعي يحمل الجميع مسؤوليته.
أما أثناء التنفيذ، فقد واجهت تحديات تمثّلت في تفاوت مستويات التفاعل، وضيق الوقت، ومقاومة بعض الفئات للتغيير، إلا أنني تعاملت معها بعقلية قيادية مرنة، فاعتمدت التقييم المرحلي والتغذية الراجعة المستمرة لتعديل الأنشطة وتحسين آليات التنفيذ. وقد عزّزت هذه المرحلة لديّ مفهوم القيادة التكيفية التي توازن بين الثبات على الهدف والمرونة في الوسائل.
وفي مرحلة التقييم البعدي، كشفت النتائج عن تحسّن ملموس في مستويات المعرفة الصحية، والاتجاهات الرافضة للتدخين، والسلوكيات الإيجابية لدى الفئات المستهدفة، وهو ما مثّل بالنسبة لي دليلًا عمليًا على أثر القيادة القائمة على البيانات. هذه النتائج لم تُقرأ كأرقام فحسب، بل بوصفها مؤشرات على تغيّر حقيقي في الوعي والسلوك، ما رسّخ لديّ إيمانًا بأن القيادة التربوية تقاس بمدى أثرها واستدامته.
وقد شكّلت هذه التجربة محطة تعلّم قيادية عميقة أعادت تشكيل وعيي المهني، إذ أدركت أهمية التطوير الذاتي المستمر، وتعميق مهارات تحليل البيانات، واتخاذ القرار المبني على الأدلة. ومن هنا، أطمح إلى تعزيز كفاياتي القيادية من خلال التعلّم المهني المستدام، وتوسيع خبرتي في القيادة التحويلية والابتكار التربوي، والعمل على تحويل المبادرة إلى نموذج قابل للتعميم، مدعوم بدليل إجرائي واضح يسهم في نقل الأثر وتوسيع دائرة الاستفادة.
ختامًا، أرى أن هذه المبادرة لم تكن نهاية مسار، بل بداية لنهج قيادي قائم على التأمل، والتعلّم المستمر، وتحويل التحديات إلى فرص تطوير، بما ينسجم مع رؤيتي للقيادة التربوية بوصفها مسؤولية واعية تُحدث فرقًا حقيقيًا في حياة المتعلمين والمجتمع.