مع تعدد وسائل التعليم المسانِدة لطلبة الثانوية العامة ما بين الدروس الخصوصية والملخصات والمكثفات والمراكز الثقافية إلى جانب المنصات التعليمية وما يرافقها من بطاقات اشتراك، تتحول الوسائل المساندة إلى أعباء مالية متراكمة ترهق الأسر وتفرض عليها التزامات إضافية، لتتقاطع بذلك الإمكانات الاقتصادية للأسر مع فرص التحصيل والتفوق الذي يفترض أن يقوم بالأصل على الاجتهاد والكفاءة كأساس لنجاح الطالب.
ومع احتدام المنافسة بين الطلبة والسعي للمعدلات المرتفعة باتت النظرة للسوق التعليمية المنتشرة لاسيما عبر الفضاء الإلكتروني، خيارات شبه إلزامية أمام الطالب وذويه خشية من الاكتفاء بالتعليم المدرسي الذي قد يسهم في تقليل فرص التفوق، ليتحمل بذلك ذوو الطلبة نفقات إضافية تتجاوز إمكانياتهم.
الخبير التربوي فيصل تايه تساءل عن سوق «بطاقات التوجيهي» والمراكز والدروس الخصوصية هل هي استثمار يخدم الطالب أم «طبقية تعليمية» ترهق جيوب العائلات؟
وقال الخبير التربوي لـ «الدستور» إن القضية لا ترتبط بالتكنولوجيا ولا برفض التحول الرقمي الذي أصبح جزءاً من مستقبل التعليم في العالم، وإنما بغياب الأطر التنظيمية والحوكمة التي تضمن ألا تتحول الخدمات التعليمية المساندة إلى عامل يحدد فرص الطالب في التعلم والنجاح وفقاً لقدرة أسرته على الإنفاق، فكلما توسعت السوق التعليمية الموازية دون ضوابط واضحة، ازداد خطر انتقال التعليم من ميدان يقوم على الاجتهاد والكفاءة إلى واقع تتداخل فيه الإمكانات الاقتصادية مع فرص التحصيل والتفوق، ليصبح الدخل الأسري، ولو بصورة غير مباشرة، عاملاً مؤثراً في حجم الفرص التعليمية المتاحة.
ووفق تايه فإن أثر هذا الواقع لا يقف عند حدود الكلفة المالية، بل يمتد إلى البيئة التعليمية ذاتها، حيث يبدأ الطلبة بمقارنة الفرص المتاحة لهم، فهناك من يستطيع الاشتراك في أكثر من منصة تعليمية، والالتحاق بالمراكز الثقافية، والاستفادة من الدروس الخصوصية، واقتناء الملخصات والمكثفات، في حين يحرم طالب آخر من هذه الفرص بسبب محدودية الإمكانات المادية لأسرته، لا بسبب ضعف في قدراته أو قلة اجتهاده، الأمر الذي يترك أثراً نفسياً وتربوياً لا يمكن تجاهله، ما يضع مبدأ تكافؤ الفرص أمام تحدٍ حقيقي، ويضعف ثقة بعض الطلبة بعدالة المنافسة.
وبحسب تايه، فإن التفاوت بين الطلبة لم يعد قائماً على الاجتهاد أو القدرات الفردية وحدها، وإنما يمتد ليشمل تفاوتاً في فرص الوصول إلى مصادر التعلم ذاتها، فالطالب الذي يستطيع الوصول إلى أكثر من منصة، وأكثر من معلم، وأكثر من برنامج مراجعة، يمتلك فرصاً أكبر للتدريب والمتابعة والاستعداد للامتحان مقارنة بزميله الذي تحول ظروفه الاقتصادية دون الاستفادة من هذه الخدمات، وبذلك تصبح القدرة المادية عاملاً مؤثراً في حجم الفرص التعليمية، لا مجرد عامل يؤثر في مستوى الخدمات التي يحصل عليها الطالب.
وأشار الخبير التربوي إلى أنه إذا بقي التعليم الموازي خارج إطار التنظيم، فإن الظاهرة ستتحول إلى أحد العوامل التي تعمق الفجوة التعليمية بين الطلبة، وتكرس ما يمكن وصفه بالطبقية التعليمية.دينا سليمان " الدستور"