اختتم زعماء دول تكتل "ميركوسور"، الذي يضم البرازيل والأرجنتين وأورغواي وباراغواي، قمتهم الـ68 في باراغواي الرئيس الحالي للتكتل، والتي تعد الأولى بعد توقيع هذه الدول بالأحرف الأولى اتفاقية تاريخية مع الاتحاد الأوروبي تهدف إلى إلغاء تدريجي للحواجز التجارية والرسوم الجمركية بين الجانبين.
واختتمت القمة بإصدار إعلان خاص يؤكد المضي قدماً على تفعيل الاتفاق التجاري المؤقت مع الاتحاد الأوروبي الذي دخل حيز التطبيق المؤقت في الأول من مايو الماضي، وضرورة انعكاس ذلك على تحسين القطاعات الإنتاجية المحلية ومواجهة التحديات الاقتصادية، مشددا على أهمية الحفاظ على النظام الديمقراطي في بوليفيا، ودفع مسار التسوية المتفق عليه من قبل بوليفيا وفنزويلا حول ملف جزر مالفيناس المتنازع عليها.
كما تضمن البيان الختامي تأكيدا على قوة الروابط التي تجمع الدول الأربع بما ساهم في إنشاء السوق المشتركة للجنوب اللاتيني "ميركوسور" عام 1991، واعتماد الصلاحية الكاملة لبروتوكول "أوشوايا" بشأن الدفاع عن المؤسسات الديمقراطية، وحث الدول الأعضاء والشريكة للتكتل على توطيد الديمقراطية والمحافظة على حقوق الإنسان، والتأكيد على التصدي للجريمة المنظمة عبر تعزيز التعاون الأمني بين دول التكتل ودول الجوار.
وفي كلمته الرئيسية، نوه روبين راميريز ليزكانو وزير خارجية باراغواي إلى اعتماد زعماء القمة خطة طويلة الأمد لتحقيق 400 لقاء في مختلف الأجهزة التنظيمية المؤسسية التابعة للسوق المشتركة الجنوبية بهدف توسيع آفاق التنمية الاقتصادية والفرص التجارية والترويج للاستثمارات في أراضيها.
من جانبه، أعلن الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا توجه التكتل نحو تنويع الشراكات، معلنا عن بدء "ميركوسور" مفاوضات اتفاقية الشراكة الاقتصادية مع اليابان تزامنا مع التركيز على أهمية التقارب مع التكتلات الدولية.
وأعلن التزام بلاده بتمويل "صندوق التقارب الهيكلي لـ"ميركوسور" بنحو 100 مليون دولار سنوياً لدعم الدول الأعضاء الأصغر حجماً.
واستضافت القمة وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول، الذي تنظر بلاده صاحبة الاقتصاد الأقوى في أوروبا، إلى الاتفاق على أنه يتيح على المدى الطويل فرصاً تجارية كبيرة لصناعة السيارات والآلات وقطاع الصناعات الدوائية التي تمثل عصباً مهماً من تجارتها الخارجية، وسط حمى الرسوم الجمركية التي يستعر أوارها منذ أشهر بين الولايات المتحدة وأوروبا والصين، وألقت بظلالها الوخيمة على مستقبل الاقتصاد العالمي، وكشفت عن مخاوف من حصول تضخم وكساد كبيرين.
وكان الملف الأبرز في القمة هو الاتفاقية الاستراتيجية التي عقدتها "ميركوسور" مع الاتحاد الأوروبي في مطلع شهر مايو الماضي بعد أكثر من 25 عاما من المفاوضات، والذي سيطلق فور التصديق عليه رسمياً من محكمة العدل الأوروبية منطقة ضخمة جديدة للتجارة الحرة تغطي أكثر من 700 مليون مستهلك في القارتين فقط، وستوفر 4 مليارات يورو سنوياً من الرسوم الجمركية، حيث سيتم إلغاء الرسوم الجمركية على 91% من منتجات الاتحاد الأوروبي في دول "ميركوسو"، بينما يشمل الاتفاق حماية متوازنة لفئات المنتجات الحساسة في القطاع الزراعي بالاتحاد الأوروبي (مثل لحوم الأبقار، والإيثانول، والعسل، والسكر، والدواجن).
وكشف البيان الختامي للقمة عن اتفاق زعماء الدول الأعضاء في السوق المشتركة مع حكومة اليابان على بدء مفاوضات بشأن اتفاق الشراكة الاقتصادية (AAE) وتعزيز العلاقات الاقتصادية مع الصين ودول آسيوية أخرى.
وسيفتح هذا الاتفاق الباب أمام تساؤل آخر عن مصير تكتلات أخرى لها وزن اقتصادي هائل وثقل اعتباري مهم مثل مجموعة الدول الصناعية السبع، و"مجموعة البريكس" التي تضم دولاً فاعلة بينها الصين وروسيا والبرازيل والهند وجنوب أفريقيا، وكلا التكتلين يضم على التوالي دولاً أوروبية أو دولاً لاتينية دخلت في الشراكة الجديدة بين أوروبا و"ميركوسور".
ويهدف تكتل "ميركوسور"، الذي يعني السوق المشتركة للجنوب، إلى ضمان حرية حركة السلع بين دوله، حيث تم تأسيسه في 26 مارس 1991 بموجب معاهدة أسونسيون التي دخلت حيز النفاذ بعد توقيع الدول الأعضاء على بروتوكول "أورو بريتو" الذي وضع الهيكل المؤسسي المالي للمنظمة، ونجح منذ تأسيسه في أن يصبح ضمن أكبر التكتلات الاقتصادية في العالم.
وتضم المجموعة في عضويتها الدول الأربع المؤسسة لها والتي يبلغ مجموع سكانها أكثر من 200 مليون نسمة، وتعد اللغة البرتغالية التي بدورها تشمل البرازيل اللغة الرسمية داخل المجموعة، بينما تتكلم الدول الأخرى اللغة الإسبانية، ويتناوب الأعضاء على رئاسة التكتل كل ستة أشهر بالترتيب الأبجدي.
وسبق أن انضمت كل من تشيلي وبوليفيا بصفة شريكة إلى المجموعة عام 1996، ثم لحقتها بيرو بصفة شريكة في 2003، ثم الإكوادور، فكولومبيا، في حين تحالفت فنزويلا رسميا في يوليو عام 2006 مع البرازيل والأرجنتين وباراغواي وأورغواي كجزء من كتلة "ميركوسور"، غير أن الدول المؤسسة للسوق المشتركة لأمريكا الجنوبية ألغت عضوية كراكاس في ديسمبر عام 2016 بتهمة انتهاك المبادئ الديمقراطية للمجموعة.
وعلى صعيد البناء الهيكلي للتكتل، فإن مجلس السوق المشتركة يمثل الجهاز التنفيذي، وهو أعلى مستوى رئاسي للتكتل، ويتشكل من وزراء خارجية واقتصاد الدول الأعضاء، ويتولى متابعة تنفيذ بنود معاهدة "أسونسيون"، واتخاذ إجراءات تنفيذية لتحرير التجارة وتنسيق السياسات الاقتصادية.
كما يتضمن المجلس السكرتارية العامة، حيث تتولى إصدار البيانات الرسمية عن المجموعة، بالإضافة إلى الاتصال بمجموعة السوق المشتركة في اتخاذ القرارات وتطبيقها.
جدير بالذكر أن مجلس التعاون الخليجي وقع مع مجموعة "ميركوسور" اتفاقاً إطارياً للتجارة الحرة بين الجانبين عام 2005، وقد مثل ذلك انطلاقة جديدة لعلاقاتهما أتبعه في عام 2009 توقيع إعلان مشترك في العاصمة القطرية الدوحة بين دول التكتلين بهدف استكمال مفاوضات التجارة الحرة وذلك على هامش القمة الثانية للدول العربية ودول أمريكا اللاتينية التي انعقدت في دولة قطر.
وأكد البيان عقب الإعلان أن التعاون بين الطرفين لن يقتصر على تعزيز فرص التجارة والاستثمار بينهما فحسب، بل سينعكس إيجابا على العلاقات بين الدول العربية ودول أمريكا الجنوبية في جميع المجالات، لافتا إلى تعبير الجانبين عن رضاهما بالنمو المتسارع في التبادل التجاري بينهما منذ توقيع اتفاقية التعاون الاقتصادي في عام 2005، وزيادة الاستثمارات المتبادلة والشراكات التجارية بين القطاع الخاص في دول مجلس التعاون الخليجي ودول المجموعة اللاتينية.