ما أعظم أن يمتلك الإنسان في حياته ثقةً لا تتزعزع بكلمة الله ووعوده. فالإيمان الحقيقي لا يُقاس بما تراه العيون، بل بما يصدقه القلب من كلام الله. وكثيرًا ما تكون كلمة الله هي الجسر الذي نعبر به من اليأس إلى الرجاء، ومن العجز إلى القوة، ومن الفشل إلى النجاح.
كم تمر بنا أيام تبدو فيها الحياة قاحلة، والطرق موصدة، والأبواب مغلقة، والأحلام مؤجلة، حتى يخيل إلينا أن الأمل قد انطفأ من عيوننا. نتعب كثيرًا، ونسهر الليالي، ونبذل أقصى ما نستطيع، ومع ذلك لا نرى ثمرة لتعبنا. فنردد في أعماقنا ما قاله سمعان بطرس للمسيح: «قد تعبنا الليل كله ولم نأخذ شيئًا» (لوقا 5: 5).
لقد عاد التلاميذ إلى الشاطئ يغسلون شباكهم استعدادًا للعودة إلى بيوتهم. بالنسبة لهم انتهى يوم العمل، وانتهت معه كل فرصة للنجاح. لكنهم لم يكونوا يعلمون أن السيد المسيح كان يقف على شاطئ حياتهم، وأن كلمة واحدة منه قادرة أن تغيّر مشهد الفشل كله إلى فيضٍ من البركة.
وهكذا هو حالنا اليوم. قد لا نفهم لماذا تتعثر مشاريعنا، ولماذا يتأخر ثمار تعبنا، ولماذا تقف العقبات في طريقنا. وربما يقف أعداء الخير والنجاح بالمرصاد، فيحاولون تمزيق شباك تعبنا، وإفساد جهودنا، وإطفاء عزيمتنا بالحسد أو الظلم أو المكر. لكنهم لا يستطيعون أن يمنعوا بركة الله متى حان وقتها، لأن البركة ليست رهينة الظروف، بل هي ثمرة كلمة الله.
وسط كل ذلك يقف المسيح في قارب حياتنا كما وقف في قارب سمعان، ويقول لنا: «ادخل إلى العمق، وألقوا شباككم للصيد». وكأنه يقول: لا تستسلم، حاول مرة أخرى، ولكن هذه المرة متكئًا عليّ، لا على قوتك وحدها. فحين تلتقي خبرة الإنسان بطاعة الإيمان، يصنع الله ما تعجز عنه كل الحسابات البشرية.
فما أروع جواب بطرس: «ولكن على كلمتك أُلقي الشبكة.» إنها ليست مجرد عبارة، بل إعلان إيمان وتسليم. فهو لم يُلقِ الشبكة لأنه رأى السمك ولا بأنَّ الظروف قد تغيّرت، بل لأنه وثق بكلمة المسيح. وهنا تبدأ المعجزة دائمًا: عندما تصبح كلمة الله أقوى من صوت الخيبة، وأعلى من منطق المستحيل.
يقول القديس أوغسطينوس: «الإيمان هو أن تصدق ما لا تراه، ومكافأة هذا الإيمان أن ترى ما تؤمن به.»
وكم تنطبق هذه الكلمات على بطرس، الذي آمن أولًا، فرأى بعد ذلك الشباك تمتلئ حتى كادت تتخرق من كثرة الصيد.
إن كلمة الله لا تعود فارغة، بل تعمل في أوانها، وتفتح الأبواب التي أغلقها الناس، وتحل عقد الشر، وتوقظ الرجاء في القلوب، وتجلب البركة حيث ظن الإنسان أن كل شيء قد انتهى. قد يتأخر موعد الحصاد، لكنه لا يضيع عند الله.
كم من مرة نقول: تعبنا... تعبنا... تعبنا، ولم نصطد شيئًا. لكن المؤمن الحقيقي يضيف بعد ذلك: «ولكن على كلمتك أُلقي الشبكة يا رب.» وهنا يتحول التعب إلى رجاء، والانتظار إلى بركة، واليأس إلى بداية جديدة.
فطوبى لمن يتكل على الله، ويطلب بركة اسمه القدوس على أعماله، ويجعل كلمة الله مرشده في كل خطوة. فحيث تكون كلمة الله، يكون الخير، وحيث تكون الطاعة، يكون الصيد الكثير، وحيث يحضر المسيح في قارب الحياة، لا يبقى الفشل هو الكلمة الأخيرة، بل تصبح البركة هي الخاتمة التي يكتبها الله بيده.