لا تحتاجُ أحيانًا إلى سيرةٍ ذاتية، ولا إلى خبرةٍ في الإدارةِ العامة، ولا حتى إلى معرفةِ الفرقِ بين الوزارةِ والمديرية… يكفي أن يكتبَ أحدُهم اسمَك في منشورٍ إلكتروني، حتى تستيقظَ داخلكَ فجأةً روحُ رجلِ الدولة.
القصةُ بدأتْ في جلسةٍ عادية، لا سياسةَ فيها ولا وزارات.
وفي أقلِّ من ساعة، كانَ قد قرأَ الخبرَ خمسينَ مرة، وأرسلَهُ إلى أقاربِه وأصدقائِه، وبدأَ يستقبلُ الاتصالاتِ والتهاني بصوتٍ خافتٍ يشبهُ تواضعَ المسؤولين قبلَ القسم.
بعضُ الناسِ باركوا له.
وبعضُهم قالوا: إنَّ المناصبَ تزهو بك.
وأحدُهم سألهُ بجدية: إذا صرتَ وزيرًا… لا تنسانا.
ومنذُ تلكَ اللحظة، لم يعدِ الرجلُ لاعبَ شدّة، بل مشروعَ وزيرٍ مؤجّل.
صارَ يتحدّثُ عن المرحلةِ القادمة، وعن ضرورةِ الإصلاح، وعن رؤيتِه لتطويرِ القطاع، رغمَ أنَّهُ قبلَ ساعةٍ فقط كانَ مختلفًا مع أصدقائِه حولَ احتسابِ لعبةِ الطرنيب.
لم يغضبْ لأنَّهُ لم يصبحْ وزيرًا، بل غضبَ لأنَّ الرجلَ الآخرَ قبلَ الوزارة، رغمَ أنَّ اسمَهُ هو كانَ قد نُشرَ قبلَ أيام.
ومنذُ تلكَ الليلة، تحوّلَ الوزيرُ الجديدُ، في نظرِه، إلى خائنٍ للصداقة، وسارقٍ لحلمٍ صنعَهُ موقعٌ إلكترونيٌّ نشرَ اسمَهُ على سبيلِ المزاح.
صارَ يقولُ بغضب:
كيف رضي على حاله يأخذ وزارة كان اسمي مطروحًا إلها؟!
وكأنَّ الدولةَ كانتْ تنتظرُ موافقتَه الشخصية قبلَ إعلانِ التشكيل.
ومنذُ ذلكَ اليوم، تغيّرَ موقفُه من الحكومةِ كلّها.
أصبحَ خبيرًا في نقدِ الأداء الوزاري، ومحلّلًا سياسيًا، ومصدرًا مطّلعًا على خفايا التعديل، فقط لأنَّ مزحةً ثقيلةً تحوّلتْ داخلَ رأسِه إلى مشروعِ حقيبةٍ وزارية.
وهكذا، قد تبدأُ بعضُ المعارضاتِ السياسيةِ من لعبةِ شدّة، ومن خبرٍ كتبهُ صديقٌ على سبيلِ المزاح، ثم صدّقهُ صاحبُه أكثرَ ممّا ينبغي.
المشكلةُ ليستْ في المواقعِ الإلكترونية، ولا في المزاح، بل في أولئك الذين يعيشونَ مستعدّين نفسيًا لأيِّ منصب، حتى لو جاءَهم عبرَ منشورٍ عابرٍ بينَ إعلانِ وفاةٍ وخبرِ طقس.
بعضُ الناسِ لا يريدُ الوزارةَ ليخدم، بل ليشعرَ أنَّهُ أصبحَ شيئًا.