الخرطوم : لفتت التطورات الأخيرة في النهج الغربي، بل والإقليمي، والتصريحات المتعلقة بالوضع في السودان نظر المراقبين الى تحول في ظاهره كيفي ولكنه قد يشي بتحول قريب ساقته ظروف خارجية اقلها معاناة المدنيين السودانيين وتحملهم الأذى من الاقربين والابعدين في جلد، مما شكل ضغطا مجتمعيا وسياسيا واخلاقيا على المجتمعات -وبالتالي الحكومات- الغربية. ولكن خميرة التحولات الراهنة على الرغم من روعتها، تبقي السؤال مطروحًا: لماذا الآن ولماذا هذه المرة، وما هي النتائج النهائية لهذه التدخلات الجديدة؟
وكما هو الحال في السياسة، وكما هو الحال في المصالح السياسية، تُدلي التصريحات لخدمة غاية محددة، لا سيما عندما تتلاقى وتأتي متراصة، من السياسة إلى التشريع، مرورًا بالأوساط الأكاديمية، وصولًا إلى تغيير المواقف وإنكار المواقف السابقة.
ولكن نظرًا لعدم وجود مواقف ثابتة في السياسة والمصالح السياسية، كان من دواعي السرور أن وزارة الخارجية السودانية رحّبت بهذه التصريحات، التي إن دلّت على تغيير في المواقف، فستعني نهجًا جديدًا لإيجاد حل للحرب الدائرة التي تشنها ميليشيات الدعم السريع.
فوق ذلك لاحظ الراصدون للتطورات الغربية تجاه السودان امرا مثيرا للاهتمام وهو أنه في حين يُسعى الغرب إلى كبح الدعم العدواني والعلني الذي تقدمه الإمارات العربية المتحدة للميليشيات، تزامنا مع حرب إقليمية تُشن ضد إيران وتأثيرها على الدول العربية المجاورة، فقد سعت الامارات، وفقًا للأوساط الأكاديمية الألمانية، إلى إشراك جيران السودان، هذه المرة من الشرق لتصل بالغربين الى قناعة انه حان الوقت لتغيير المواقف و المقاربة.
وفي ذلك يشير تقرير ضاف نشره اكاديميون وخبراء أمن ألمان هذا الاسبوع اسدوا فيه النصح لحكومتهم و لأروبا عامة بان "ثمة حاجة ملحة لإجراء مراجعة موضوعية وشاملة للعلاقات مع الإمارات العربية المتحدة،" ليس فقط بسبب السودان بل ايضا ذكروا ما وصفوه ب" دور الإمارات المتردد، بل والمعرقل، في مفاوضات المناخ الدولية، وتعاملاتها التي تتراوح بين البراغماتية والودية مع روسيا، فضلاً عن مساعيها لبسط نفوذها السياسي في أوروبا، بما في ذلك علاقاتها مع أحزاب يمينية شعبوية ويمينية متطرفة، ودعمها لشبكات نشر المعلومات المضللة. لذا، فإن السياسة الخارجية الإماراتية في أفريقيا ليست مجرد قصور معزول لشريك بنّاء في جوانب أخرى، بل ينبغي فهمها كتعبير عن نهج متسق يهدف إلى بسط النفوذ: فالإمارات تدعم جهات فاعلة مثيرة للجدل، وتربط بشكل منهجي الدعم العسكري بالمصالح التجارية والأيديولوجية."
ونبه كل من دكتور جيريت كورتز زميل مشارك، والدكتور وولفرام لاشر زميل مشارك أول، والدكتور ستيفان رول زميل أول في قسم أبحاث أفريقيا والشرق الأوسط بالمعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية انه "ينبغي مراجعة سياسة ألمانيا لتصدير الأسلحة إلى الإمارات العربية المتحدة مراجعةً جذرية.
فعلى الرغم من ازدياد حاجة الإمارات لحماية نفسها من الهجمات الإيرانية، إلا أن خطر نقل الأسلحة الألمانية أو استخدامها في نزاعات دول ثالثة لا يزال قائمًا. فعلى سبيل المثال، زودت الإمارات هجوم حفتر على طرابلس في ليبيا بأنظمة بانتسير للدفاع الجوي المثبتة على هياكل MAN/ Rheinmetall كما تم نشر نظام غاليكس الدفاعي الفرنسي على مركبات مدرعة إماراتية في السودان."
ونصح الخبراء ، بتطبيق معايير أكثر صرامة في إنفاذ قواعد مكافحة غسيل الأموال والشفافية، اذ ينبغي أن يركز الاتحاد الأوروبي بشكل أكبر على دور المراكز المالية الإماراتية كمراكز محورية لاقتصادات النزاعات، وتدفقات رأس المال غير الرسمية، والتحايل على العقوبات.
وشدد الخبراء الالمان ممن تنتفي عنهم شبهة الدوافع السياسية على ضرورة "إعادة تقييم المشاركة الدبلوماسية " بين بلدانهم و الامارات و أشاروا الى ان "الشراكة الاستراتيجية" التى حافظت عليها ألمانيا مع الإمارات العربية المتحدة منذ عام 2004 كانت تعني توافق واسع في المصالح الا ان عدم تعليق هذه الشراكة على الأقل في ضوء تدخلات الإمارات في النزاعات "سيقوض التزام ألمانيا المعلن بالسلوك الموثوق والقائم على الاخلاق، ولا جدوى من هذه الشراكة إلا إذا أعادت الإمارات توجيه سياستها في أفريقيا نحو خفض التصعيد، مما يسمح بتسخير ثقل أبوظبي المالي الكبير وشبكاتها السياسية لحل النزاعات بشكل بنّاء”.
ل
كن جيران السودان يواجهون تحديات ومشاكل جمة: جنوب السودان، وتشاد، وإثيوبيا، وجمهورية أفريقيا الوسطى، وليبيا كل لها من المعضلات ما كف عن السودان كثير من الأذى رغم ان هذه المشكلات- خاصة الاقتصادية والامنية- قد تكون هي الدافع في ان تنساق وراء الحصول على الدعم المالي أي كانت الطريقة .
وقد بات واضحاً للمراقبين ان هذا الوضع قد أثر بلا شك على ميليشيات الدعم السريع التي ارتكبت فظائع وأخطاء فادحة، كان آخرها هذا العام الهجوم على زعيم قبلي، مما أدى إلى انتفاضة واسعة النطاق وزرع بذور الشك في صفوف الميليشيات ساهمت في بداية التآكل الداخلي لصفوف المليشيا بما يعني انه ان الاوان- في نظر هؤلاء الداعمين- ان يتم الوصول لسلام ما قبل ان تنتهي المليشيا كلية و يكون الخسران مزدوجا.
على الساحة الدولية:
لأشهر، طالب المشرعون الامريكيون و الامم المتحدة سواء بسواء بإنهاء الحرب في السودان وإنهاء معاناة ملايين السودانيين. لكن تحقيق ذلك لم يكن سهلاً في ظل وجود ثغرة أمنية واضحة تتمثل في تدفق أحدث الأسلحة الفتاكة إلى أيدي الميليشيات. لذا كان من المنطقي والعقلاني أن يردد المشرعون الأمريكيون ما دأبت وزارة الخارجية السودانية على ترديده منذ اندلاع الحرب، على لسان سفيرها لدى الأمم المتحدة، الحارث إدريس: لانهاء الحرب ومعاناة السودانيين على الغرب ايقاف صنبور التسليح والتمويل والمرتزقة المفتوح من صنابير البترودولار الاماراتية.
ففي الأسبوع الماضي، وافق المشرعون في لجنة العلاقات الخارجية بالكونغرس الأمريكي، على مشروع قانون يدعو إلى وقف الإمداد الأجنبي للميليشيات، وقد صرحوا سابقًا بأن الإمارات العربية المتحدة كانت المورد الرئيس للسلاح، اذ ظل رئيس لجنة العلاقات الخارجية في الكونغرس الأمريكي، السيناتور جيمس ريش، يطالب منذ أشهر الحرب الاولي بأن تُسمّي الإدارة الأمريكية الأمور بمسمياتها، وأن تفرض عقوبات على الإمارات العربية المتحدة، أو على الأقل أن توقف بيعها الأسلحة من الولايات المتحدة. والآن، يُستجاب لدعوته، وقد أشادت وزارة الخارجية السودانية بهذه الخطوة.
فقد رحبت وزارة الخارجية والتعاون الدولي بالتقرير الايجابي الذى اصدرته لجنة الشئون الخارجية في مجلس النواب الامريكي والذي ادانت فيه الهجمات على المدنيين في السودان واعترفت بالإبادة الجماعية التى ارتكبتها مليشيا الدعم السريع المتمردة ضد المدنيين في دارفور.
ووفقا للبيان اكدت الخارجية بحرص اللجنة على تأكيدها على سيادة السودان ووحدة اراضيه وتشديدها على اهمية ان تلتزم الاطراف الخارجية بعدم تزويد المليشيا بالسلاح والتمويل والغطاء السياسي كشرط اساسي لايقاف الحرب في السودان.
وقال البيان "تود وزارة الخارجية والتعاون الدولي ان تؤكد مجددا استعدادها للعمل مع الكونغرس الامريكي والادارة الامريكية والشركاء الدوليين غير المتورطين في دعم المليشيا المتمردة لانهاء الحرب ومحاسبة مرتكبي الفظائع، وتصنيف مليشيا الدعم السريع المتمردة (منظمة إرهابية) كخطوة أولى في تحييد الجهات التي تدعمها بالسلاح وتوفر لها مظلة سياسية."
واضاف البيان "تؤكد الوزارة أن تحقيق السلام والاستقرار وبناء سودان ديمقراطي مستقر هو الغاية التي تسعى إليها حكومة الأمل استناداً إلى المبادئ التي تضمن وحدة السودان وسلامة أراضيه."
وربما كان هذا ما اشار اليه الأمين العام للأمم المتحدة انتوني غوتيرش و الذي اشار فيه الى ان الاسلحة التي تطول من امد الحرب ومن اذاها على المدنيين آتية من قبل دولة غير افريقية، اذ لم يرد الاشارة بالاسم الى "الامارات" والتي سماها خبراء منظمته اسما ووصفوها رسما في عديد التقارير والتقصي الذي اجروه في الفاشر وقبلها في كافة مناطق دارفور و دعمتها تقارير الصحافي ومراكز البحث العلمي أمريكية وغربية.
وقالت الوزارة انها ترحب بالحراك الايجابي الذي احدثته زيارة السيد غوتيرش الامين العام للأمم المتحدة للمنطقة "خاصة تصريحاته حول السودان والتي حمل فيها، الجهات الخارجية مسؤولية استمرار الحرب، باعتبار ان الأسلحة التي تصل للسودان، تأتي في الأساس بتمويل من دول غير أفريقية، محذرا من ان تلك التدخلات ستتسبب في عواقب مأساوية وتجعل التفاوض على اتفاقات السلام أمرا بالغ الصعوبة، مؤكدا أن تناقض المصالح بين الفاعلين الخارجيين ينعكس على المشكلة ويعرّقل كل جهود الوساطة”.
واكدت الوزارة ان تصريحاته تنم عن فهم عميق لاسباب المشكلة وتدعو الاطراف الدولية التي ترغب في احلال السلام في السودان لمخاطبة الاسباب الحقيقية التي تؤدي الى تأجيج الحرب وتتسبب في تصاعد الازمة الإنسانية.
وجددت الوزارة تحذيرها للمجتمع الدولي ومنظماته الدولية ان انتشار ظاهرة السلاح غير المقنن واصرار بعض الاطراف على تزويد المليشيات والحركات المتمردة في افريقيا بالأسلحة المتطورة بما في ذلك المسيرات الاستراتيجية بالإضافة الى ظاهرة استجلاب المرتزقة سيكون له آثار كارثية على مستقبل آمن واستقرار حكومات وشعوب المنطقة.
وكدليل على شمول هذه الموجة فقد انكرت احدي الدول غير المجاورة مباشرة للسودان ان تكون داعمة للتمرد في مفارقة واضحة لمواقفها السابقة وهي من اوي واستقبل قيادات الدعم السريع وزودتهم بجوازات لكنها بدت تطرح هذه الحمولة في البحر شيئا فشيئا والمركب سائرة للغرق.
ولعله من المناسب ان نختتم هذا التقرير باقتباس طويل ولكنه يلخص اتجاه بدا ينمو ويطفو الى السطح و يكون قوة دافعة بدأت بالناس عامة وانتقلت للصحافة في الغرب ثم البرلمانيين والمشرعين وغشيت الامميين وهي تسير حثيثا لتحرك الساسة التنفيذين من الادارة الامريكية الى الحكومات الاوربية انه قد حان الوقت لايقاف التقتيل وردع من يسعي لمواصلته قولا وفعلا: قال الخبراء الالمان "أصبحت الإمارات العربية المتحدة من أكثر الجهات الخارجية عدوانية في النزاعات الأفريقية، من إثيوبيا وليبيا والصومال إلى السودان.
وتنفي قيادة أبوظبي بإصرار دعمها للحرب، إلا أنها استمرت في ذلك حتى خلال الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، على الرغم من التداعيات الخطيرة التي لحقت بالإمارات. ويعرقل دورها جهود حل النزاعات، ويزيد من حدة الأزمات الإنسانية وعدم الاستقرار الإقليمي.
كما يقوض مصالح أوروبا في ضمان استمرارية طرق التجارة، ومنع النزوح القسري، وتعزيز التكامل الإقليمي. لذا، ينبغي على ألمانيا وشركائها الأوروبيين إيلاء أهمية أكبر لتصرفات الإمارات المزعزعة للاستقرار في علاقاتهم الثنائية، وانتقادها بشكل أكثر وضوحاً، والنظر في فرض عقوبات عليها".