في وطن لا يقيس المجد بعدد السنوات بل بما يزرعه في العقول من وعي وما يبنيه في الإنسان من قدرة وهيبة وحضور، جاءت فعالية بانوراما التعليم في موسمها الثالث بمدرسة الملك عبدالله الثاني للتميز فرع المقابلين، لتعلن أن الأردن في عيد استقلاله الثمانين لا يحتفل بالماضي فقط، بل يحتفل بمستقبل يصنع الآن داخل ميادين العلم، وتحت راية التعليم النوعي، وفي حضرة الطلبة الذين يشبهون طموح الدولة الأردنية وهي تمضي بثبات نحو قرنها الثاني.
ففي يوم الخميس الموافق 2026/5/7، ارتفعت في المقابلين واحدة من أكثر الصور التربوية الأردنية إشراقا وهيبة حين نظمت مدرسة الملك عبدالله الثاني للتميز
( فرع المقابلين) الموسم الثالث من مسابقة بانوراما التعليم تحت شعار "السردية الأردنية استقلال وتعليم"، برعاية معالي وزير التربية والتعليم وبحضور مندوبته الدكتورة شروق العيطان مديرة تربية لواء القويسمة، في مشهد حمل من رمزية المناسبة ما جعل الحدث يتجاوز حدود النشاط المدرسي إلى فضاء وطني واسع يحتفي بالاستقلال عبر بوابة العلم والمعرفة وصناعة الإنسان.
ولأن وزارة التربية والتعليم تمضي اليوم بعقل الدولة لا بعقل الإدارة التقليدية بدا واضحا أن الرؤية التي يقودها معالي الوزير الأستاذ الدكتور عزمي محافظه ترتكز على تحويل التعليم من مساحة تلقين إلى مشروع وطني متكامل لصناعة الإنسان الأردني القادر على المنافسة والإبداع والانفتاح على أدوات العصر وهو النهج الذي يتكامل مع الجهد النوعي الذي يقوده عطوفة الأمين العام للشؤون التعليمية الدكتور نواف العجارمة، ذلك الاسم الذي بات حضوره في المشهد التربوي الأردني مرتبطا بمفاهيم التطوير الحقيقي، والاشتغال العميق على جودة التعليم، وإعادة الاعتبار لدور المدرسة بوصفها مركزا لإنتاج الفكر والمهارة والثقة الوطنية.
ومن هنا تحديدا جاءت بانوراما التعليم لتقول إن الاستقلال لا يكتمل إلا بعقول تعرف كيف تحمي الوطن بالمعرفة، وكيف تصنع حضوره العلمي والثقافي والتقني في عالم يتغير بسرعة الضوء. لذلك لم تكن المسابقة مجرد تنافس أكاديمي، بل كانت استعراضا وطنيا راقيا لقيمة التعليم الأردني حين يدار بعقل مؤسسي محترف، ورؤية تربوية تعرف تماما كيف تكتشف الموهبة وتحولها إلى مشروع إنجاز.
لقد بدت مدرسة الملك عبدالله الثاني للتميز فرع المقابلين خلال هذا الحدث وكأنها خلية وطنية نابضة بالحياة، تفيض بالحركة والطاقة والانضباط والإبداع، وتقدم نموذجا متقدما لما يجب أن تكون عليه المدرسة الأردنية الحديثة. وهنا يبرز اسم القامة التربوية الفاضلة الأستاذة أمل السويطي، مديرة المدرسة، بوصفها واحدة من الشخصيات التعليمية التي لا تدير مؤسسة تربوية فحسب، بل تصنع روحا كاملة داخل المكان. فقد استطاعت بحضورها القيادي الهادئ والعميق أن تحول المدرسة إلى مساحة حقيقية لاكتشاف الطاقات وصناعة الثقة وإطلاق الإمكانات الكامنة لدى الطلبة، وأن ترسخ مفهوم التميز بوصفه ثقافة يومية لا مجرد عنوان.
ولم يكن ما شهدته بانوراما التعليم حدثا عاديا يمكن المرور عليه بخفة، فالمسابقة التي انطلقت بمشاركة واسعة من طلبة الصفوف السابع حتى العاشر في جميع فروع مدارس الملك عبدالله الثاني للتميز، وصولا إلى المرحلة النهائية التي تنافس فيها 130 طالبا وطالبة، قدمت صورة مبهرة عن حجم الكنز البشري الذي تمتلكه الدولة الأردنية داخل مدارسها. وقد تنوعت المنافسات بين اللغة العربية واللغة الإنجليزية والرياضيات والعلوم والمشاريع البيئية والروبوت، في مشهد أكد أن مدارس الملك عبدالله الثاني للتميز لا تخرج طلبة متفوقين أكاديميا فقط، بل تبني جيلا يمتلك أدوات التفكير والتحليل والابتكار والعمل الجماعي والقيادة.
وهنا تتجلى القيمة الحقيقية لمدارس الملك عبدالله الثاني للتميز، تلك الصروح التي أرادها جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين أن تكون منصات وطنية لصناعة النخبة العلمية والفكرية الأردنية، وحواضن استراتيجية لرعاية الموهبة والعبقرية والإبداع. فمنذ تأسيسها، شكلت هذه المدارس نموذجا تعليميا متقدما تجاوز القوالب التقليدية، وكرس فكرة أن التعليم الأردني قادر على منافسة أرقى النماذج العالمية حين تتوفر له الرؤية والإرادة والقيادة.
وقد حملت مدرسة المقابلين هذه الرسالة بأعلى درجات النضج والاحتراف، ليس فقط عبر حسن التنظيم، بل من خلال قدرتها على بناء شراكات مؤسسية فاعلة مع الجامعة الأردنية وجامعة الحسين التقنية ومنطقة القيادة الوسطى ومديرية شرطة جنوب عمان ومنصة جو أكاديمي، في صورة تؤكد أن التعليم الحقيقي لا يعيش داخل الجدران المغلقة، بل ينفتح على المجتمع والدولة والمؤسسات الوطنية كافة.
وكان لوجود نخبة من أعضاء الهيئة التدريسية في الجامعة الأردنية وجامعة الحسين التقنية ضمن لجان التحكيم أثر بالغ في رفع سوية المسابقة وإضفاء بعد أكاديمي رصين عليها، فيما شكلت مسابقات الروبوت والمشاريع التقنية مؤشرا واضحا على أن مدارس الملك لم تعد تكتفي بإنتاج التفوق التقليدي، بل تتجه بثقة نحو صناعة جيل رقمي يمتلك أدوات المستقبل ويجيد مخاطبة العالم بلغة العلم والتكنولوجيا.
وفي ذروة احتفالات المملكة بعيد الاستقلال الثمانين، بدا هذا الحدث وكأنه رسالة أردنية عميقة تقول إن الدولة التي تحمي استقلالها بالعلم، لا تخشى المستقبل أبدا. فالأوطان لا تبنى بالشعارات وحدها، بل بالعقول التي تضيء الطريق، وبالمدارس التي تعرف كيف تحول الطالب إلى مشروع قائد، وكيف تجعل من المعرفة قوة وطنية ناعمة ترفع اسم الأردن عاليا.
لقد أثبتت مدرسة الملك عبدالله الثاني للتميز فرع المقابلين أن التميز ليس ترفا تعليميا، بل مسؤولية وطنية كبرى، وأن الاستثمار الحقيقي يبدأ من الطالب، وينتهي بوطن أكثر قوة ووعيا وقدرة على صناعة المستقبل. كما أثبتت الأستاذة أمل السويطي أن القيادة التربوية حين تمتلك الرؤية والشغف والإيمان برسالة التعليم، تستطيع أن تصنع فارقا يليق باسم الأردن وهيبة مؤسساته التعليمية.
وهكذا، لم يكن الموسم الثالث من بانوراما التعليم مجرد فعالية عابرة في روزنامة النشاطات المدرسية، بل كان مشهدا وطنيا متكاملا كتب فيه الاستقلال روايته الجديدة بالحبر الأردني الأصيل، وارتفعت فيه السردية الأردنية من منصة التعليم، لتقول بثقة إن هذا الوطن ما زال ينجب مدارس تشبه الحلم، وقيادات تربوية تشبه الوفاء، وطلبة يشبهون المستقبل.