لا تُعرف معادن الناس في أوقات الرضا؛ فهناك من لا تظهر حقيقته إلا عند الزعل والخلاف. ومن هنا يبدأ حديثنا عن "أخلاق الخصام”… فالخصام هو ذلك الامتحان الحقيقي الذي يكشف ما صنعته التربية، وما رسخه الوعي في داخل الإنسان، ففي الخصام؛ إما أن ترفعك أخلاقك… أو تفضحك ردود أفعالك.
من الطبيعي نحن كبشر أن نختلف ونغضب، وأن يحدث بيننا شد وجذب، وهذا كما ذكرنا سابقاً أمر طبيعي، لكن من غير الطبيعي أن ننسى من نكون حين نغضب، وأن نترك الغضب يقودنا بدل أن نقوده، فهناك من يتحول لسانه عند أول خلاف إلى سلاحٍ ماضٍ؛ يجرح، ويفضح، ويستحضر كل زلة، وكأنه كان ينتظر هذه اللحظة، وهنا لا تكون المشكلة في الخصام… بل في الأخلاق التي سقطت مع أول سقوط للهدوء؛ فالخسارة الحقيقية لا تكون في موضوع الخلاف، بل في طريقته، فكلمة جارحة قد تترك أثراً أطول من سبب الخلاف، وموقف عابر قد يهدم سنواتٍ من الود.
إن أخلاق الخصام ليست ضعفاً بل قوة من نوع آخر، فأن تمسك نفسك وأنت قادر على الأذى، وأن تسكت عن رد جارح وأنت تملكه، فهذه ليست هزيمة… بل سيطرة.
ومن أسوأ ما يحدث اليوم أن تُستَخدم أسرار الود في لحظة خصام؛ وهنا لا يكون الأمر مجرد خلاف… بل خيانة لثقة وضعت فيك؛ فما قيل لك بأمانة، يجب أن يبقى محفوظاً مهما تغيرت الظروف.
في الختام، قد ينتهي الخصام… لكن أثره لا يرحل بسهولة،فلا تجعله باباً تخرج منه بأسوأ ما فيك، ولا تسمح له أن يجردك من قيمك بحجة الغضب.