في الأردن، لا يمكن التعامل مع المصطلحات السياسية بخفّة أو خلطها خارج سياقها الدستوري والتاريخي. ومن أبرز هذه المفاهيم "البيعة”، التي ليست مجرد كلمة تُقال في لحظة حماس، بل هي تعبير عميق يرتبط بشرعية الحكم واستقرار الدولة. لذلك، فإن إطلاق عبارة "نبايع حزبًا سياسيًا” يطرح إشكالية حقيقية تستحق الوقوف عندها بوضوح وحزم.
البيعة في الأردن ترتبط بالولاء للقيادة الهاشمية، ممثلة بجلالة الملك عبدالله الثاني، وهي علاقة قائمة على الدستور والشرعية السياسية، وليست علاقة تنظيمية أو فكرية قابلة للتبديل. فهي تعني الانتماء للدولة والالتزام بثوابتها، ولا يمكن نقل هذا المفهوم إلى إطار حزبي
الأحزاب السياسية، هي أدوات عمل ديمقراطي تقوم على البرامج والرؤى، وعلى حق الاختلاف والنقد والتغيير. الحزب ليس سلطة سيادية، ولا يمثل الدولة، ولا يُفترض أن يُعامل كمرجعية مطلقة. ومن هنا، فإن استخدام مصطلح "البيعة” في سياق حزبي يخلق انطباعًا خطيرًا، وكأن الحزب يسعى إلى احتكار الولاء أو فرض تبعية تتجاوز حدود العمل السياسي الطبيعي.
إن من يروّج لفكرة "مبايعة حزب” قد يظن أنه يعبر عن إخلاص أو انتماء، لكنه في الواقع يضع نفسه في موقع يتناقض مع روح الحياة السياسية الحديثة، التي تقوم على الحرية والمساءلة وتداول الأفكار، لا على الالتزام المطلق غير القابل للنقاش. فالأحزاب تُدعم وتُنتقد، تُنتخب وتُغيَّر، أما البيعة فهي مفهوم سيادي لا يُستنسخ ولا يُوزّع.
والأخطر من ذلك، أن هذا الخلط قد يفتح الباب أمام ممارسات تُضعف الوعي السياسي، وتُحوّل العمل الحزبي من مساحة للنقاش والتطوير إلى حالة من التقديس غير المبرر. وهذا يتنافى مع أبسط مبادئ الديمقراطية، التي ترفض احتكار الحقيقة أو إغلاق باب النقد.
لا بد من التأكيد أن قوة الدولة الأردنية تكمن في وضوح مفاهيمها وثبات مرجعياتها: البيعة للوطن وقيادته، والعمل الحزبي لخدمة الوطن ضمن الدستور. وأي محاولة لخلط هذين المسارين ليست تعبيرًا عن قوة سياسية، بل عن خلل في الفهم يجب تصحيحه، حفاظًا على وعي المجتمع وسلامة الحياة السياسية.
في الختام، يبقى المبدأ ثابتًا: نحن ننتمي للأردن أولًا وأخيرًا، ولا نُبايع الا الملك فقط. وما دون ذلك هو عمل سياسي مشروع ضمن الأطر الدستورية، لكنه لا يرقى ليكون بديلًا عن الوطن أو منافسًا لشرعيته. هذه هي المعادلة التي تحفظ توازن الدولة، وتصون وعي المجتمع، وتُبقي البوصلة في اتجاهها الصحيح.