هيبة الدولة، دون شك، أحد العناوين الرئيسية ، و ركيزة أساسية لإرساء دعامات الحكم و الاستقرار السياسي
هي أداة الدولة لضمان الالتزام بالنظام و القوانين، و تكسب السلطات ومؤسساتها احترامها وقدرتها على ضبط العلاقة مع مواطنيها ضمن إطار العقد الاجتماعي.
لذا، تحرص كل دولة على اكتساب شرعيتها بالاستعانة بملامح مواصفات تعكس هيبتها وتثبت سلطتها ، استنادا إلى خلفية الفكر السياسي لدى صانع القرار ودوائر الحكم فيها، وهو ما يحدد رموزها وأدواتها ونهج سلوكها في ترسيخ هذه الهيبة داخل وعي المواطن: صناعة أم قناعة أو كليهما معا.
امتاز الأردن الملكي الهاشمي بأن اختار مسار اختلف عن جواره العربي، في بناء وصناعة هيبة دولته ، بأن يكون ملكيا دستوريا ، ديمقراطيا تعدديا ، قائما على الاعتدال ، التوازن بين الاستقرار السياسي و الانفتاح ، و المؤسسية وفصل السلطات والصلاحيات. وكان ذلك دافعا نحو استقلالية و حضور القرار الأردني في كل مرحلة، ليؤطر الثوابت ويؤسس الأرضية التي تنطلق منها المواقف. وهنا تجلت صورة "المعجزة الأردنية" وهيبة الدولة، من خلال الحفاظ على الاستقرار والصمود في محيط مضطرب، وتخطي حاجز المئوية رغم تعقيدات المراحل الإقليمية .
وقد أثبتت التجربة و البرهان أن هيبة الدولة في السابق لم تتحقق بمظهر المسؤول أو امتيازاته ومدى سلطته أو حجم موكبه ، و مستوى رفاهيته فقط ، كما يحاول البعض تصويرها، كانطباع مسلم به اليوم ، هي امتيازات تفرضها متطلبات طبيعة الوظيفة و المنصب (حتى لا يجمع المسؤول بين الوزارة والتجارة)، بل تتحقق هيبة الدولة ، ببساطته وقدرته على التواصل وايصال الرسائل ،عندها ترتفع و تتوطد ثقة المواطن مضمونا لا مجاملة و شكلا ، الذي لأجله تشكل الحكومات لتحسين ظروفه المعيشية و تقديم الخدمات وفق أفضل المستويات ، ضمن المتاح من الموارد والإمكانات.
وعكس ذلك، تتسع فجوة الثقة و يتعمق الشرخ في العلاقة بين الشعب والحكومات ، مما يفضي إلى انخفاض القدرة على استيعاب القرار و الاستجابة له، ويؤدي إلى فقدان قنوات الاتصال ، النتيجة التسرع في الكثير من الأحيان عند إطلاق الأحكام ، صوابا أو خطأ، كما نشهده اليوم.
إن الإنجاز العملي و الميداني، الآتي عبر العمل المتواصل بإتباع استراتيجية وضع الخطط البرامجية و السير عليها ، و متابعتها وتوفير التعديلات والإصلاحات ، في خدمة أقامة المشاريع بكل إخلاص و أمانة ، تلبية لحاجة الوطن والمواطن، هو مفتاح الحل لمعظم إشكالات الشأن الداخلي الأردني، وبوابة العبور إلى حقبة جديدة تضع الأردن في مصاف الدول المتقدمة عربيا، وتحقق أعلى درجات الدولة المدنية القوية، السائرة بثبات نحو الاستقرار والازدهار في مئويتها الثانية.
على صعيد آخر، وفيما يتعلق بأداء الحكومة الحالية، أشار استطلاع رأي مؤخرًا إلى أنها حازت على ثقة 30% من الشارع. والواقع والمنطق يقولان إن تحقيق أهداف رؤية التحديث بمساراتها الثلاثة لا يمكن أن يتم بين ليلة وضحاها. إلا أن الفريق الحكومي، وعلى رأسه رئيس الوزراء جعفر حسان، مطالب ، بتحمل مسؤولية التكليف،والبدء بترجمة هذه الرؤية إلى خطوات عملية ملموسة وواضحة، كما يتطلع إليها الشارع، وتنفيذا للإرادة الملكية.
مهمة حكومة جعفر حسان ليست سهلة، فهي أول حكومة تتشكل بعد إطلاق منظومة التحديث السياسي، ما يفرض عليها العمل خارج الأطر التقليدية المألوفة لإثبات كفاءتها و اختلافها عما سبقها ، لمعالجة اختلالات تراكمات نتيجة ضعف الأداء في إدارة السلطتين التنفيذية و التشريعية، وما نتج عنه تراجع في مستوى الإنجاز في مشاريع التنمية الاقتصادية والاجتماعية الخدماتية .
وهذا يعني أن الحكومات القادمة يجب أن تعي، مهامها في المرحلة القادمة لن تكون اسهل ، و لا تقبل التراخي ، إذ يقع على عاتقها واجب الاستمرار والبناء على ما تم تحقيقه.
إن هيبة الدولة الأردنية اليوم وجب أن لا تقاس بمستوى مظاهر السلطة الشكلية فقط، بل بمدى اختبار و ترسيخ قيم الولاء والانتماء والوطنية، واحترام السيادة والتضحية من أجلها، عبر منظومة متكاملة تتشارك فيها الرمزية والأدوات التعبيرية و مستوى الرفاه الاجتماعي المحقق ، لتنعكس على سلوك المواطن ، و تجذير المواطنة الفاعلة داخل العلاقة تجاه الدولة.
وهنا يسجل للديوان الملكي نهج "سياسة الباب المفتوح"، التي تعكس خصوصية الحالة الأردنية، وتؤكد اختلافها عن تجارب دول انهارت فيها الأنظمة سريعا مع أول اختبار، فترة اجتياح شبح الخريف العربي لها برعاية صهيوامريكية ، فتبدلت الرموز وتغيرت الذاكرة السياسية، و غلبت السلبية على كل ما كان إيجابيا.
وهذا يدفعنا للتساؤل: لماذا تنازلت شعوب تلك الدول عن رموز سيادتها وهيبة دولتها في أول اختبار حقيقي؟
لا شك أن هناك عوامل داخلية وخارجية، وأيادي لا تريد لهذه الأمة العربية ولا للأردن الاستقرار والازدهار، لضمان استمرار الهيمنة وتنفيذ مشاريعها.
لكن نقول لهم: خاب ظنكم. فالأردن، عن قناعة، آخر القلاع؛ دولة راسخة، صلبة، قادرة على تجاوز التحديات، ومواجهة كل من يضمر لها الشر ايا كان فئة ، أفراد . وكما يقال: الشر سياج أهله.
نختم بقول المفكر العربي عبدالوهاب المسيري:
"عندما يدرك الناس أن الدولة تدار لحساب نخبة وليس لحساب أمة، يصبح كل فرد غير قادر على التضحية من أجل الوطن، وينصرف للبحث عن مصلحته الخاصة."