في سجل الخالدين من رجالات الأردن ، تبرز قامة المشير الركن الأمير زيد بن شاكر كواحدة من أكثر الشخصيات تأثيراً ونبلاً . لم يكن أبو شاكر مجرد مسؤول عسكري أو سياسي مر عابراً في تاريخ المملكة الأردنيةالهاشمية ، بل كان الصديق الصدوق ورفيق الدرب الأمين للملك الحسين بن طلال ، طيّب الله ثراه . تميزت مسيرته بالجمع الفريد بين حزم الجندي وحكمة ورؤية رجل الدولة ، مما جعله ركيزة أساسية استندت إليها الدولة في مواجهة أعنف العواصف الإقليمية .
الجذور والنشأة : بذور القيادة والولاء :
ولدت هذه القامة الوطنية في العاصمة عمان في الرابع من أيلول لعام 1934 م . نشأ الأمير زيد في بيئة هاشمية أصيلة ، فهو نجل الشريف شاكر بن زيد ، الذي كان السند المخلص للملك المؤسس عبد الله الأول ابن الحسين . بدأت رحلته التعليمية في الكلية العلمية الإسلامية بعمان ، وهناك توطدت أواصر علاقة أخوية تاريخية مع المغفور له الملك الحسين بن طلال ، وهي العلاقة التي شكلت فيما بعد ثنائياً قيادياً فريداً في تاريخ الأردن الحديث .
المسيرة العسكرية : تدرج احترافي من الميدان إلى القمة :
آمن الأمير زيد بأن الجندية هي مدرسة الانضباط الأولى ، فبعد إتمامه التعليم الثانوي ، التحق بأعرق الأكاديميات العسكرية العالمية ، حيث تخرج من أكاديمية ساندهيرست العسكرية الملكية في بريطانيا عام 1955 م ، ثم تابع تحصيله القيادي في كلية القيادة والأركان في ليفنوورث بالولايات المتحدة الأمريكية عام 1963 م.
بدأ تدرجه العسكري ضابطاً ميدانياً في القوات المسلحة الأردنية _ الجيش العربي . وبفضل كفاءته الاستثنائية وشجاعته المشهودة ، تولى مناصب قيادية حساسة ، منها آمر سلاح المدرعات الملكي وقائد فرقة مدرعة . وبسبب رؤيته الاستراتيجية ، ارتقى في الرتب العسكرية حتى نال رتبة مشير في عام 1987م ، وهي أرفع رتبة عسكرية . كما تولى منصب رئيس هيئة الأركان المشتركة ، ثم القائد العام للقوات المسلحة ، حيث أشرف على مراحل مفصلية من تطوير وتحديث الجيش الأردني ، جاعلاً منه قوة احترافية يشار إليها بالبنان .
التحول نحو الحياة المدنية : رجل المهمات الصعبة :
لم تنتهِ مهمة الأمير زيد عند حدود الثكنات العسكرية ، بل استدعى الواجب الوطني انتقاله إلى العمل السياسي والمدني في فترات حرجة . شغل منصب رئيس الديوان الملكي الهاشمي لعدة فترات ، حيث كان المستشار الأول والأقرب للملك الحسين .
وفي الجانب التنفيذي ، كُلف برئاسة الوزراء لثلاث مرات .
1 ) الحكومة الأولى عام 1989 م : كانت حكومة الإنقاذ والتحول ، حيث أشرف على عودة الحياة البرلمانية والنهج الديمقراطي . 2 ) الحكومة الثانية عام 1991 م : جاءت لتعالج تداعيات حرب الخليج وآثارها الاقتصادية والاجتماعية . 3 ) الحكومة الثالثة عام 1995 م : فقد ركزت على ترسيخ مؤسسات الدولة وتعزيز مكانة الأردن الدولية في مرحلة ما بعد السلام .
الروابط العائلية واللقب الأميري :
ينتمي الشريف زيد إلى فرع الأشراف لؤي من العائلة الهاشمية ، وهو ما جعل علاقته بالملك الحسين علاقة دم ونسب . وتقديراً لهذا الإخلاص المنقطع النظير ، أصدر الملك الحسين إرادة ملكية سامية في عام 1996 م بمنحه لقب أمير .
على الصعيد الشخصي ، ارتبط بسمو الأميرة نوزاد بنت الشريف ناصر بن جميل ، التي كانت خير سند له ، وعُرفت بنشاطها الإنساني والاجتماعي الواسع . وقد أثمر هذا الزواج عن الأمير شاكر بن زيد ، الذي واصل مسيرة والده في خدمة مناطق البادية الأردنية ، والأميرة زين بنت زيد ، اللذين نهلا من مدرسة والدهما قيم التواضع والترفع عن الصغائر .
الرحيل والإرث : ترجل الفارس
في الثلاثين من آب لعام 2002 م ، فقد الأردن واحداً من أنقى رجالاته برحيل الأمير زيد بن شاكر . غادر أبو شاكر الحياة الدنيا بعد حياة حافلة بالعطاء ، تاركاً وراءه إرثاً من النزاهة والعمل الصامت بعيداً عن صخب الأضواء . عُرف عنه الصمت الحكيم والقدرة الفائقة على احتواء الأزمات ببرود أعصاب وشجاعة نادرة ، وظل حتى أنفاسه الأخيرة وفياً للعهد والمبادئ التي تربى عليها .
يبقى الأمير زيد بن شاكر مدرسة وطنية تلهم الأجيال في معنى الولاء الصادق والجندية المخلصة . لقد كان ركناً شديداً من أركان الدولة ، وعميداً للوفاء الهاشمي ، صان الأمانة وحفظ العهد ، وسيبقى اسمه محفوراً بمداد من ذهب في ذاكرة الوطن ، كقائد فذ آمن بأن خدمة الأردن هي أسمى الغايات وأجلّ المهمات .