لم تكن غفران بحاجة لصافرة حَكَم لتدرك أن المباراة قد بدأت؛ فصراخ "الإشعارات" التي كانت تسمعها في هاتفها كانت تدوي أسرع من هتافات المدرجات، في شقتها الهادئ بالعاصمة الأردنية عمّان، جلست المعلمة ذات الأصول البغدادية، تحيط بها دفاتر تلاميذها الصغار، بينما يتدفق أمام عينيها سيلٌ من "التعليقات" التي لم تكن تشبه كرة القدم في شيء.
الكلمات كانت تعبر الحدود أسرع من عبور الكرة بين أقدام اللاعبين، شتائم متبادلة بين جمهور المنتخبين، صور تُبين خطاب كراهية شنيع، وهتافات تحولت من مؤازرة المنتخب إلى طعنٍ في الهوية.
بالنسبة لغفران، التي تقاسمت عمرها بين دجلة والبتراء، بين بغداد وعمّان، لم يكن الأمر مجرد "تراشق رقمي" عابر، بل كان تمزيقاً حياً تشعر به في تفاصيل حياتها اليومية.
فيضُ المشاعر: حين تشتعل مواقع التواصل الاجتماعي بالكلمات
بينما كانت مواقع التواصل الاجتماعي تشتعل بـ "هاشتاغات" الكراهية، كانت غفران تنظر إلى اسم طفل أردني في دفتر التصحيح للواجبات، وإلى لكنتها العراقية التي تشرح له بها دروس المحبة كل صباح، في تلك اللحظة، أدركت "مربيّة الأجيال" أن الخسارة الحقيقية لم تكن في شباك المرمى، بل في تلك البذور السوداء التي بدأت تتسلل إلى ألسنة الصغار، محولةً "لعبة كرة القدم" إلى جدار عازل بين شعبين لا يفرق بينهما سوى خط تماس وهمي.
وخلف الخطوط: غفران.. الهوية التي تسكن بلدين
عاشت غفران في لحظات الكراهية التي كانت تراها وتسمعها على مواقع التواصل الاجتماعي حالة من "التمزق مصحوب بسؤال لماذا يحدث هذا؟"، فهي ابنة الرافدين بوفائها، وابنة الأردن بانتمائها اليومي وأبنة أرضُ العرب، فعمل خطاب الكراهية على جعلها تشعر بغربة مفاجئة وسط مكانين كانت تعتبرهما وطناً واحداً.
تقول غفران وهي تتألم: "الغربة لم توجعني يوماً ما، لكن رؤية الكلمة تتحول إلى رصاصة أوجعت قلبي"، هكذا وصف غفران مشاعرها وهي تشاهد كيف تتحول مباراة رياضية إلى وسيلةٍ