في عالمٍ تتسارع فيه التحولات الجيوسياسية، تعود إلى الواجهة فرضيات "الصفقات الكبرى” التي قد تعيد رسم خرائط النفوذ في الشرق الأوسط. ومن بين أكثر هذه الفرضيات إثارة للجدل، الحديث عن احتمال تفاهم بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، بما يفضي إلى نوع من تقاسم النفوذ أو إدارة الصراعات في المنطقة. ورغم غياب أي إعلان رسمي يؤكد هذا الطرح، فإن مجرد تداوله يعكس قلقًا عميقًا من مستقبل تُصاغ معالمه خارج الإرادة الإقليمية.
من "التقاسم” إلى "إدارة النفوذ”
التاريخ السياسي الحديث لا يشير غالبًا إلى اتفاقات صريحة لتقسيم المناطق بقدر ما يشير إلى تفاهمات غير معلنة تضبط قواعد الاشتباك وتوزّع الأدوار. في هذا السياق، قد لا يكون الهدف هو تقاسم جغرافي مباشر، بل إدارة توازنات معقّدة: تخفيف التصعيد في بعض الساحات، تثبيت نفوذ في أخرى، وفتح قنوات تنسيق غير مباشر بين أطراف كانت تُعدّ متخاصمة جذريًا.
الموقف العربي: تباين بدل التوحد
أحد أبرز مواطن الضعف في مواجهة مثل هذه السيناريوهات هو غياب موقف عربي موحد. فالدول العربية، بحكم اختلاف مصالحها وتحالفاتها، قد تتوزع بين:
•دول تميل إلى البراغماتية والتكيّف مع الواقع الجديد حفاظًا على الاستقرار
•دول ترى في أي تمدد إيراني أو تثبيت لدور إسرائيلي تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي
•دول تحاول التأثير عبر علاقاتها التقليدية مع واشنطن لضمان عدم تهميشها
غير أن هذا التباين، في حال استمر، قد يكرّس واقعًا تُدار فيه المنطقة من خارجها، بدل أن تكون فاعلًا في تحديد مصيرها.
غياب المشروع العربي المشترك
رغم الإمكانات الاقتصادية والبشرية الهائلة، لم تنجح الدول العربية في بلورة مشروع استراتيجي جامع. وتبقى جامعة الدول العربية إطارًا محدود الفاعلية في ظل غياب الإرادة السياسية الموحدة. إن أي مواجهة حقيقية لسيناريوهات إعادة تشكيل المنطقة لا يمكن أن تتم دون:
•تكامل اقتصادي فعلي
•تنسيق سياسي وأمني مستدام
•رؤية مشتركة للأمن الإقليمي
إيران وإسرائيل: مشروعان متوازيان
في المقابل، تبدو كل من إيران وإسرائيل وكأنهما تتحركان ضمن رؤيتين واضحتين، وإن اختلفت الأدوات:
•إيران تعتمد على شبكة نفوذ إقليمي غير مباشر، عبر حلفاء محليين وأدوات سياسية وعسكرية
•إسرائيل تركّز على التفوق العسكري والتكنولوجي، مع توسيع دائرة العلاقات الإقليمية
وفي حال حدوث تفاهم بينهما، ولو بشكل غير مباشر عبر وسيط دولي، فقد يؤدي ذلك إلى إعادة ترتيب ساحات التوتر بدل إنهائها.
ماذا عن الدول الإسلامية غير العربية؟
تبرز باكستان كأحد أبرز الفاعلين المحتملين خارج الإطار العربي، نظرًا لثقلها العسكري ومكانتها في العالم الإسلامي. إلا أن سلوكها، كغيرها من الدول، تحكمه المصالح الوطنية أولًا. ومن المرجح أن تميل إلى سياسة التوازن، بدل الانخراط في محاور حادة، مع إمكانية لعب دور دبلوماسي أو رمزي أكثر منه صدامي.
من رد الفعل إلى الفعل
الرهان الحقيقي لا يكمن في رفض سيناريوهات مفترضة بقدر ما يكمن في بناء القدرة على التأثير فيها. وهذا يتطلب انتقالًا من منطق رد الفعل إلى منطق المبادرة، عبر:
1.تعزيز الاستقرار الداخلي وبناء مؤسسات قوية
2.الاستثمار في الاقتصاد والمعرفة والتكنولوجيا
3.تنويع التحالفات الدولية وعدم الارتهان لقوة واحدة
4.إدارة الصراعات الإقليمية بعقلانية بدل استنزاف الموارد فيها
خاتمة
سواء وُجد اتفاق خفي أم لا، فإن التحدي الأكبر أمام دول الشرق الأوسط ليس ما يُخطط لها، بل ما تفعله هي بنفسها. فالتاريخ لا يُكتب فقط في العواصم الكبرى، بل أيضًا في قدرة الدول على صياغة مشاريعها الذاتية. وبين مخاوف "التقاسم” وفرص "إعادة البناء”، يبقى المستقبل مفتوحًا على كل الاحتمالات—والحاسم فيه هو الفعل لا الانتظار