في سجلات الدولة الأردنية، ثمة أسماء لم تكن مجرد عابرة في مناصبها، بل كانت مداميك أساسية في بناء مؤسساتها المتينة . ويبرز اسم الراحل الكبير بهجت التلهوني 1913م - 1994م كواحد من أعظم رجالات الرعيل الأول الذين نذروا حياتهم لخدمة العرش الهاشمي وصون مقدرات الوطن في أدق الظروف وأكثرها تعقيداً .
من معان إلى قمة الهرم السياسي :
لم تكن نشأة التلهوني في مدينة معان الأبية عام 1913م إلا تمهيداً لرحلة وطنية طويلة . فمن مدرسة السلط الثانوية، مصنع القادة، إلى رحاب جامعة دمشق لدراسة الحقوق، تشكلت شخصية التلهوني القانونية والسياسية . بدأ حياته قاضياً نزيهاً ورئيساً لمحكمة الاستئناف، وهي الخلفية التي منحت قراراته السياسية لاحقاً صبغة الحكمة والاتزان والتمسك بسيادة القانون .
ست حكومات في مهب العواصف :
لم يكن تكليف الراحل بهجت التلهوني بتشكيل الحكومة لست مرات، بين عامي 1960م و1970م، محض صدفة، بل كان انعكاساً لثقة ملكية مطلقة من المغفور له جلالة الملك الحسين بن طلال، طيب الله ثراه . تولى التلهوني المسؤولية في فترات مفصلية، فمن تهدئة الأوضاع بعد استشهاد هزاع المجالي، إلى إدارة تداعيات حرب عام 1967م، وصولاً إلى أزمات مطلع السبعينيات، ظل التلهوني رجل المهمات الصعبة الذي لا يلين .
مدرسة في رئاسة الديوان وتشريع الأعيان :
خارج أروقة الدوار الرابع، ترك التلهوني بصمات لا تُمحى كونه رئيساً للديوان الملكي الهاشمي، حيث كان صلة الوصل الأمينة والموثوقة بين الملك والشعب . وفي مجلس الأعيان، الذي ترأسه لقرابة عقد من الزمان، 1974م - 1983م، أرسى تقاليد برلمانية عريقة، مساهماً في تطوير المنظومة التشريعية التي نفاخر بها اليوم .
إرث لا يغيب :
عندما رحل التلهوني في الثلاثين من كانون الثاني عام 1994م، لم يرحل أثره . لقد ترك للأجيال القادمة نموذجاً في الولاء المطلق، والقدرة على الموازنة بين المصالح الوطنية والقومية في ظل استقطابات إقليمية حادة . كان يؤمن أن قوة الأردن في استقرار مؤسساته والتفاف شعبه حول قيادته .
اليوم، ونحن نستذكر هذه القامة الوطنية، لا نستذكر مجرد رئيس وزراء أسبق، بل نستحضر فصلاً كاملاً من فصول الثبات الأردني، وقصة رجل كتب بمداد الإخلاص تاريخاً سيظل حياً في ذاكرة الأردنيين ووجدانهم .