بقلم : الناشط السياسي والاجتماعي احمد الشرعاوي الزيود
منذ تأسيس الدولة الأردنية عام 1921، حرصت القيادة الهاشمية على إيلاء البعد المجتمعي اهتماماً خاصاً، إدراكاً لأهمية العشائر في تعزيز السلم الأهلي وترسيخ الوحدة الوطنية. وفي هذا الإطار، جاء موقع مستشار الملك لشؤون العشائر في الديوان الملكي العامر ليجسّد هذا النهج، بوصفه قناة تواصل مباشرة بين جلالة الملك وأبناء المجتمع في البوادي والأرياف والمخيمات، وترجمة عملية للرؤية الملكية إلى مبادرات تلامس الواقع.
ويبرز اسم كنيعان باشا البلوي كأحد الشخصيات التي جمعت بين الجذور الأصيلة والرؤية الحديثة. فهو لا يمثل مجرد امتداد لملامح البادية أو الانتماء العشائري، بل نموذجاً لرجل دولة تشكّلت شخصيته عبر مسيرة طويلة من الخدمة والانضباط والعمل المؤسسي.
البلوي أحد أبناء سلاح الجو الملكي الأردني، حيث تدرّج في صفوفه حتى بلغ رتبة لواء، بعد مسيرة مهنية امتدت داخل الوطن وخارجه. تلقى تعليماً عسكرياً وأكاديمياً متقدماً في مؤسسات مرموقة، وأسهمت تجاربه الخارجية في توسيع آفاقه وتعزيز خبرته القيادية. يتقن اللغة الإنجليزية، وبدافع شغفه بالمعرفة، قطع شوطاً متقدماً في تعلم اللغة الإسبانية، ما يعكس شخصية منفتحة تجمع بين الانتماء الوطني والرؤية العالمية.
وكان له دور في جهود تطوير وإعادة هيكلة سلاح الجو، ضمن مسار تحديث المؤسسة العسكرية بما يواكب المعايير الحديثة. وقد منحته خبرته الميدانية والإدارية فهماً عميقاً لطبيعة العمل المؤسسي، وقدرة على التعامل مع التحديات بروح عملية بعيدة عن الشعارات.
ورغم حضوره الذي يعكس هوية أردنية واضحة في المظهر واللكنة، فإن تفكيره يتجاوز الصور النمطية، إذ يؤمن بأن قوة الدولة تنبع من تماسك مجتمعها، وأن العشائر تمثل مكوناً أصيلاً في البنية الوطنية الجامعة، لا إطاراً تقليدياً منفصلاً عن مشروع الدولة. فالعشائر الأردنية، بمختلف أصولها ومنابتها، كانت ولا تزال ركيزة أساسية في مسيرة البناء والاستقرار.
وقد تعاقب على موقع مستشار الملك لشؤون العشائر رجال دولة عُرفوا بالكفاءة والإخلاص، وكان البلوي من بينهم، مستنداً إلى خلفيته العسكرية والأمنية، وإلمامه بالشأن العشائري، وقدرته على إدارة الملفات بحكمة وتوازن. فهو يدرك أن معالجة القضايا العشائرية تتطلب فهماً للتحولات الاجتماعية والاقتصادية، والعمل ضمن إطار وطني جامع.
في المحصلة، يمثل كنيعان باشا البلوي نموذجاً لرجل يجمع بين الانضباط العسكري والمرونة الاجتماعية، وبين الأصالة والتحديث، مؤمناً بأن الأردن، بتنوعه وأصالته، يبقى وطناً واحداً تحت راية القيادة الهاشمية، وقوة مجتمعه في وحدته وتماسكه.