في الوقت الذي يرزح فيه آلاف الشباب الأردنيين تحت ثقل البطالة وارتفاع كلفة التعليم، يبرز سؤال وطني ملحّ لا يمكن تجاهله: كيف يُدار المال العام حين يتعلّق بتعليم أبناء المسؤولين، ولماذا تتحول بعض المنح والدعم الدراسي إلى مسار ممهّد للتعيين في مؤسسات الدولة؟
لسنا ضد التعليم، ولا ضد التفوق، ولا ضد أي شاب يسعى لبناء مستقبله، لكن العدالة تفرض أن يكون دعم الدولة موجّهًا لمن يحتاجه فعلًا، لا لمن يملك النفوذ والقدرة. فالمنح والبعثات وُجدت لتحقيق تكافؤ الفرص، لا لإعادة إنتاج الامتيازات، ولا لتكريس الفجوة بين أبناء الوطن الواحد.
ما يثير القلق الحقيقي ليس فقط تغطية تكاليف الدراسة، داخل الأردن أو خارجه، بطرق غير واضحة، بل ما يتبع ذلك من تعيينات سريعة في مواقع حساسة، دون منافسة عادلة أو إعلان معايير، وكأن الوظيفة العامة تحولت من مسؤولية وطنية إلى مكافأة مؤجلة. هنا تتآكل ثقة المواطن، ويترسخ شعور خطير بأن الجهد وحده لا يكفي، وأن الطريق الأقصر يمر عبر الأسماء لا الكفاءات.
إن المال العام أمانة، وأي إنفاق عليه يجب أن يخضع لمبدأ الشفافية الكاملة والمساءلة الصارمة. فمن غير المقبول أن يُحرم متفوق فقير من منحة دراسية، بينما تُمنح الفرصة لمن لا يحتاجها، ثم يُكافأ لاحقًا بوظيفة كان الأجدر أن تكون مفتوحة أمام الجميع.
العدالة لا تعني إقصاء أبناء المسؤولين، فهم مواطنون لهم كامل الحقوق، لكنها تعني أن يخضعوا لذات المعايير، وأن يتقدموا في ذات المسار، وأن يتنافسوا في ذات الساحة، دون استثناء أو تمييز. فالدولة القوية لا تحابي أبناءها الأقربين، بل تنصف أبناءها جميعًا.
إن استمرار هذا النهج، مهما كانت مبرراته، لا يهدد فقط مبدأ تكافؤ الفرص، بل يضعف الانتماء الوطني، ويغذي الإحباط، ويدفع بالكفاءات إلى الهجرة أو العزوف. وهي خسارة لا يحتملها وطن يواجه تحديات اقتصادية واجتماعية جسيمة.
هذه ليست رسالة اتهام، بل نداء إصلاح. إصلاح يبدأ بفصل الدعم التعليمي عن أي التزام وظيفي، وبإعلان مصادر التمويل ومعايير الاستفادة، وبفتح باب التعيين على أساس الكفاءة فقط. فالأردن يستحق نظامًا عادلًا، يحفظ المال العام، ويصون كرامة المواطن، ويعيد الثقة بين الدولة وشعبها.