أثار قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب باستخدام القوة العسكرية للإطاحة بالرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو موجة واسعة من القلق داخل أروقة البنتاجون، وسط مخاوف من أن يؤدي هذا التوجه إلى استنزاف القدرات العسكرية الأميركية في وقت تُصنَّف فيه الصين باعتبارها التهديد العالمي الأكبر للولايات المتحدة.
قوة عسكرية في الكاريبي وقلق متزايد داخل وزارة الدفاع
وبحسب تقرير لمجلة بوليتيكو، فإن العملية العسكرية التي نُفذت السبت لم تُسفر عن انتشار قوات أميركية داخل فنزويلا، إلا أن ترامب أكد أن الأسطول الأميركي الضخم الذي تم حشده خلال الأشهر الخمسة الماضية في منطقة الكاريبي سيبقى في مكانه، للإشراف على ما وصفه بـ"انتقال السلطة" إلى حكومة جديدة في كاراكاس.
حشد غير مسبوق خارج الأولويات
وشمل هذا الحشد مدمرات مزودة بصواريخ توماهوك بعيدة المدى، وقاذفات استراتيجية متمركزة داخل الولايات المتحدة، إلى جانب سفن عمليات خاصة تجوب سواحل أميركا الجنوبية، وهي قدرات عسكرية كان يُفترض أن تلعب دورًا محوريًا في أي مواجهة محتملة مع الصين في المحيط الهادئ.
ويرى مسؤولون حاليون وسابقون في وزارة الدفاع الأميركية أن إبقاء هذه القوات في نصف الكرة الغربي يُمثل تحولًا أيديولوجيًا لافتًا في سياسة واشنطن، ويهدد بتقويض الإجماع الحزبي الذي استمر لسنوات حول أولوية احتواء الصين.
وقال مسؤول دفاعي سابق متسائلًا:
"من أين سنجلب كل هؤلاء الجنود؟ إذا لم تتضح استراتيجية نصف الكرة الغربي سريعًا، فإن المخاطر الاستراتيجية ستتفاقم".
القبض على مادورو… ولكن بثمن
وفي تطور لافت، تمكنت وحدة دلتا فورس الأميركية من إلقاء القبض على مادورو خلال عملية ليلية خاطفة في كاراكاس، نُفذت عبر مروحيات خاصة تابعة لفوج العمليات الخاصة المحمولة جواً رقم 160.
لكن هذه الخطوة، رغم رمزيتها، أثارت تساؤلات داخل المؤسسة العسكرية حول كلفة التوسع العسكري، خاصة مع تلميحات ترامب بإمكانية توسيع العمليات العسكرية في أميركا اللاتينية بذريعة مكافحة تجارة المخدرات.
ويحذر خبراء عسكريون من أن سحب السفن والطائرات من أوروبا والشرق الأوسط لدعم عمليات القيادة الجنوبية الأميركية قد يُحدث فراغًا استراتيجيًا في مناطق حساسة، ويضغط على جداول الصيانة وفترات راحة أطقم البحرية الأميركية.
الصين في الخلفية… والضغط يتزايد
ورغم تأكيد إدارة ترامب أن مواجهة الصين لا تزال محور ميزانية الدفاع البالغة 900 مليار دولار، فإن أربعة مسؤولين دفاعيين أكدوا أن العمليات في فنزويلا تُرهق المخزونات العسكرية وتضع ضغوطًا متزايدة على الأسطول الأميركي، في وقت تعمل فيه بكين بوتيرة متسارعة على توسيع قدراتها العسكرية والصناعية.
وفيما تحاول واشنطن طمأنة حلفائها، شدد البنتاغون في بيان رسمي على أن الجيش الأميركي لا يزال قادرًا على العمل في عدة مناطق حول العالم في آنٍ واحد، مؤكدًا أن ما يجري في فنزويلا "لا يمس بالمكانة العالمية للولايات المتحدة".
إلى أين يتجه المشهد؟
مع استمرار الحشد العسكري في الكاريبي، وتصاعد التوترات مع كوبا وكولومبيا، تبدو إدارة ترامب ماضية في إعادة رسم أولويات السياسة الخارجية الأميركية، حتى وإن جاء ذلك على حساب التركيز التقليدي على الصين وملف تايوان.
ويبقى السؤال الأبرز:
هل تستطيع واشنطن فتح جبهات متعددة في آن واحد دون أن تدفع ثمن الإرهاق الاستراتيجي؟ أم أن فنزويلا ستكون بداية تحول أوسع في العقيدة العسكرية الأميركية؟