في غرف ضيقة على أطراف المدن الكولومبية، جلس رجال اعتادوا يومًا ارتداء الزي العسكري يراقبون الشاشات بذهول. خبر اعتقال نيكولاس مادورو لم يكن مجرد تطور سياسي، بل لحظة انتظرها منشقون منذ سنوات، بين الخوف والرجاء، وبين حلم العودة وحسابات الدم.
منذ نحو سبع سنوات، وجد عشرات الجنود والشرطيين الفنزويليين السابقين أنفسهم في كولومبيا، بعد أن وُصموا بالخيانة إثر تخليهم عن مواقعهم. اليوم، ومع إعلان احتجاز مادورو في الولايات المتحدة، تغيّر إيقاع أحاديثهم. لم تعد مجرد ذكريات منفى، بل نقاشات حقيقية حول "اليوم التالي”.
المنشقون
أحد هؤلاء القادة، الذي رفض كشف اسمه، يقول إن استقالته جاءت وهو على أعتاب الترقية إلى رتبة جنرال. "لم أستطع الاستمرار”، يشرح بهدوء، متحدثًا عن خلافات أخلاقية عميقة مع قيادته. الآن، يشعر أن اللحظة التي انتظرها طويلاً قد اقتربت.
المنشقون، بحسب ما نقلته وكالة فرانس برس اليوم الثلاثاء، يتواصلون بشكل دائم مع رفاقهم داخل فنزويلا، ويراقبون ما إذا كان اعتقال مادورو سيُحدث شرخًا في ولاء الجيش والشرطة. هدفهم المعلن هو العودة للمساهمة في تشكيل قيادة أمنية جديدة، بدل تلك التي تتهمها منظمات حقوقية بارتكاب انتهاكات جسيمة.
وليامز كانسينو، وهو اسم بات يتردد بينهم، يتحدث بثقة عن "حاجة البلاد إلى قيادة عليا مختلفة”. يؤكد أن الرهان ليس على الانتقام، بل على إعادة بناء مؤسسات الدولة واستعادة النظام، إذا ما أُتيحت فرصة انتخاب حكومة جديدة.
مع ذلك، لا يبدو المشهد بسيطًا. فبحسب المنشقين، لا تزال المؤسستان العسكرية والأمنية مواليتين لقيادات بارزة مطلوبة للقضاء الأميركي. ويشير محقق سابق، هو كليبرث ديلغادو، إلى أن بقاء كبار الضباط في مواقعهم قد يعرقل أي انتقال حقيقي للسلطة.
من منزل سري قرب الحدود، يتحدث ديلغادو عن خيار السلاح كاحتمال أخير، لكنه لا يخفي تردده. "لا أحد يريد أن يرى البلد ينزلق إلى حرب أهلية”، يقول، وهو شعور يشاركه فيه آخرون.
بين الأمل والحذر، وبين المنفى والوطن، ينتظر هؤلاء ما ستؤول إليه الأيام المقبلة. اعتقال مادورو أعاد فتح باب كان مغلقًا، لكن ما خلفه… لا يزال غامضًا.