منذ التحاقها بمؤسسة الإذاعة والتلفزيون الأردنية عام 1993، بدأت الإعلامية عروب صبح رحلة مهنية استثنائية في إعلام الطفل والأسرة، رحلة امتدت لسنوات طويلة وراكمت خلالها تجربة ثرية جعلت اسمها مرتبطًا ببرامج الطفولة الهادفة، وبالمبادرات الثقافية والتربوية التي تجاوزت حدود الاستوديو لتلامس حياة الأطفال في المدن والقرى الأردنية، وتصل إلى الفضاء العربي والدولي.
كانت انطلاقتها في التلفزيون الاردني من خلال «استوديو الأطفال»، حيث شاركت في إعداد وتقديم برامج متخصصة للأطفال، وأسهمت في إنتاج «مئات الساعات من البث» التي واكبت المناسبات الوطنية، إضافة إلى المناسبات المرتبطة بالطفولة، مثل اليوم العالمي لبث برامج الأطفال. ومنذ تلك المرحلة المبكرة، برز اهتمامها بأن يكون الإعلام وسيلة تثقيف وبناء ووعي، لا مجرد ترفيه عابر.
يُعد برنامج «وقت الفرح» أحد أبرز المحطات في مسيرة عروب صبح، بل علامة فارقة في تاريخ إعلام الطفل في الأردن. فقد كان «وقت الفرح» أول برنامج أطفال يُبث على الهواء مباشرة، وهي خطوة جريئة وغير مسبوقة في ذلك الوقت، تطلبت جهدًا مهنيًا عاليًا وقدرة على إدارة الحوار والتفاعل المباشر مع الأطفال.
لم يكن «وقت الفرح» برنامجًا ترفيهيًا فحسب، بل منصة شاملة للتعليم والتوعية والمشاركة. وقد حصد البرنامج الجائزة الذهبية عن فئة برامج الأطفال في مهرجان التلفزيون في القاهرة عام 1997، تأكيدًا على قيمته الفنية والمهنية وتأثيره الواسع.
تميّز «وقت الفرح» بسلسلة من الحملات الوطنية التي أطلقتها عروب صبح من خلال البرنامج، والتي تركت أثرًا ملموسًا على الأطفال والمجتمع. فمن خلال حملات البرنامج، تم تأسيس مكتبة حوفا الوسطية للأطفال، وإنشاء «مكتبة الفرح للأطفال» في محافظة عجلون، في خطوة عملية لتشجيع القراءة ونشر ثقافة الكتاب بين الصغار.
كما شجعت حملات «وقت الفرح» أطفال الأردن على الاهتمام بالبيئة، والتعرّف إلى المشكلات البيئية في مجتمعاتهم الصغيرة، والعمل على اقتراح حلول لها. وفي حملة «المدرسة أحلى»، فُتح باب النقاش أمام الأطفال حول ما يمرون به داخل المدارس، سواء على مستوى العلاقات أو المناهج أو النشاطات.
أما حملة «حقي»، فهدفت إلى تعريف الأطفال باتفاقية حقوق الطفل، ومنحهم مساحة حرة للتعبير عن آرائهم ومشاعرهم. ومن أنجح الحملات أيضًا «الشهر الوطني للابتسامة» الذي كان يُطلق في كل شهر رمضان، وركّز على تشجيع الأطفال على العناية بصحتهم السنية بأسلوب بسيط وقريب منهم.
وكانت آخر حملات «وقت الفرح» عام 2005 حملة «شو القصة»، التي هدفت إلى تشجيع الأطفال على قراءة القصص وتنمية الخيال وحب المطالعة.
غطّى برنامج «وقت الفرح» مهرجان جرش ومؤتمر أطفال العرب لمدة ست سنوات عبر شاشة التلفزيون الأردني، واستمر في تغطية هذه الفعاليات لخمس سنوات أخرى عبر شبكة راديو وتلفزيون العرب (ART). وعندما قُدّم البرنامج عبر قناة ART أطفال، تم تسجيل حلقات خاصة من مصر ودبي والقدس وبيت لحم، ما منح التجربة بعدًا عربيًا وإنسانيًا أوسع.
لم تتوقف تجربة «وقت الفرح» عند حدود البث التلفزيوني، بل امتدت إلى تنظيم الفعاليات والمهرجانات. فقد خططت ونفذت عروب صبح، بالتعاون مع فريق العمل وشركة «هورايزن» آنذاك، «مهرجان وقت الفرح للطائرات الورقية»، الذي أقيم للمرة الأولى في ضانا، وللمرة الثانية في أم قيس.
وقد فتح هذا النشاط الباب أمام مشاركة أردنية مميزة في مهرجان شيرفيا الدولي للطائرات الورقية في إيطاليا، حيث شارك خمسة أطفال من الأردن في زيارة المدينة والمشاركة بطائراتهم الورقية، في تجربة ثقافية وإنسانية لا تُنسى.
وضمن سلسلة المهرجانات أيضًا، قُدّم «مهرجان وقت الفرح – المدرسة أحلى»، استمرارًا لفلسفة البرنامج في ربط الإعلام بالعمل الميداني المباشر.
خلال سنوات عملها في «استوديو الأطفال» و«وقت الفرح»، زارت عروب صبح معظم مدن وقرى الأردن، وشاركت في الفعاليات الوطنية التي كان الأطفال جزءًا أساسيًا منها. هذا الاحتكاك المباشر مع الأطفال في بيئاتهم المختلفة أسهم في تعميق تجربتها وفهمها لاحتياجات الطفولة الأردنية.
إلى جانب تقديم البرامج، خاضت عروب صبح تجربة مميزة في مجال الدراما الموجهة للأطفال، حيث كتبت قصة وسيناريو مسلسل «الفانوس السحري»، كما أدت غناء أغانيه. وقد حقق المسلسل إنجازًا عربيًا مهمًا بحصوله على الجائزة الثانية كأفضل دراما عربية للأطفال في مهرجان تونس عام 1997، ما عكس قدرتها على المزج بين الكلمة والصورة والموسيقى في خطاب موجه للطفل العربي.
لم يقتصر عمل عروب صبح مع الأطفال على صناعة وتقديم البرامج، بل تعداه إلى العمل العام مع مؤسسات وطنية وأممية تُعنى بحقوق الطفل ومصلحته الفضلى، مؤكدة أن الإعلام يمكن أن يكون شريكًا حقيقيًا في التنمية وحماية الطفولة.
وفي إطار توسيع دائرة الاهتمام، أعدّت وقدّمت عروب صبح أول برنامج مخصص لفئة «الشباب الصغار» بعنوان «ساعة شباب»، بجزأيه، بالشراكة مع الاعلامي أيمن الزيود، لتخاطب شريحة عمرية جديدة بلغة تناسب تطلعاتها واهتماماتها.
ضمن برنامج «يسعد صباحك»، قدّمت عروب صبح سلسلة «بيوت الشمس»، التي تناولت قصص بيوت عمّان القديمة، والعائلات التي بنتها وسكنتها، وكيف أصبحت هذه البيوت جزءًا مهمًا من الذاكرة المدنية والعمرانية للعاصمة، في تجربة وثائقية تحمل بعدًا ثقافيًا وتاريخيًا واضحًا.
تختصر مسيرة عروب صبح نموذج الإعلامي الذي يرى في الشاشة مسؤولية ورسالة، ويؤمن بأن الطفل يستحق محتوى يحترم عقله ووجدانه، ويمنحه مساحة للتعبير والمشاركة. إنها تجربة غنية جمعت بين الإعلام، والعمل الثقافي، والمبادرات المجتمعية، لتبقى واحدة من الأسماء التي أسهمت بعمق في تشكيل ملامح إعلام الطفل في الأردن والعالم العربي.