تجييش الشارع لا يصنع وطنًا والإصلاح الحقيقي يبدأ من النفس لا من منصاتكم !!!
لا يخفى على أحد منا أن الأوضاع في أوطاننا تمر بمراحل يراها الكثيرون مستاءة وتدعو للقلق لكن الظاهرة الأبرز في هذا المشهد هي أن الجميع يطالب بأن يبدأ الإصلاح بأمرٍ يصدر من قمة الدولة لقد اعتاد الكثير من الناس إسناد الخلل والتقصير إلى كل مسؤول متناسين أنفسهم وكأن كل فرد يحاول إثبات أنه طاهر ونقي ولا يد له فيما يحدث من فساد أو تراجع ومنصات التواصل والتعامل اليومي يثبت فساد الكثير من الأفراد بشرائح المجتمع .
أن الحقيقة الغائبة عنا جميعا أن الإصلاح الحقيقي لا ينزل بالمظلات من الأعلى بل ينبت كالشجر من الجذور.
لقد جعل ديننا الإسلامي الحنيف – وكذا سائر الديانات السماوية – الإصلاح يبدأ من نفس الفرد أولاً باعتبارها اللبنة الأساسية لبناء مجتمع صالح وقوي فالمجتمع في نهاية المطاف ما هو إلا مجموعة من الأفراد فإذا صَلُحت النفس صَلُح المجتمع بأكمله وإذا فسدت وانحلت أخلاقها فسد العقد الاجتماعي وضاعت الحقوق.
وقد ربط الله سبحانه وتعالى تغيير حال المجتمعات بتغيير ما يدور في أعماق الأنفس فقال عز وجل في محكم التنزيل: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ} [الرعد: 11] هذه الآية الكريمة تمثل قاعدة كونية وسنة إلهية واضحة لا تبديل لها وهي أن الله لا يغير حال الأمة من الفقر أو الظلم أو الشتات إلى الرخاءوالعدل والتمكين إلا إذا بدأ الأفراد أولاً بتغيير ما في نفوسهم بترك المعاصي والنيات السيئة والتحلي بالطاعة والأخلاق الحسنة.
ولأن النفس هي المحرك الأساسي للإنسان وهي الإمارة بالسوء فقد جعل الله من تزكيتها أساس الفلاح والنجاح في الدنيا والآخرة فقال تعالى: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا} [الشمس: 7-10] هنا يربط الله عز وجل صلاح الإنسان – وهو بالضرورة أساس صلاح المجتمع واستقراره – بمدى قدرة الفرد على تزكية نفسه وتطهيرها من الرذائل والعيوب.
وحتى لا يتهرب الإنسان من مسؤوليته ويلقي باللوم على الآخرين أو على الظروف المحيطة جاء التأكيد الرباني على الرقابة الذاتية والاستقامة الفردية في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ ۖ لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ} [المائدة: 105] وهذا ما يؤكد إلزام النفس بالاستقامة فالمجتمع ينجو ويعبر إلى بر الأمان حين يؤدي كل فرد مسؤوليته أمام الله أولاً دون أن يجعل ضلال الآخرين أو فسادهم ذريعة لتقصيره.
وفي السنة النبوية الشريفة نجد هذا المفهوم مترسخاً بأعلى درجات الدقة فقد أكد الحبيب المصطفى ﷺ على أن صلاح الظاهر والباطن يبدأ من نقطة مركزية داخل الإنسان حيث قال: «ألا وإنَّ في الجَسَدِ مُضْغَةً، إذا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وإذا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، ألا وهي القَلْبُ» [رواه البخاري ومسلم] فالقلب هو موجه النفس وقائدها وصلاحه الداخلي يثمر سلوكاً صالحاً ينعكس مباشرة على المعاملات اليومية والأمانة مع الناس.
وصلاح القلب هذا هو ما يعين المرء على خوض المعركة الحقيقية وهي جهاد النفس إذ يقول النبي ﷺ: «المُجَاهِدُ مَنْ جَاهَدَ نَفْسَهُ فِي طَاعَةِ اللَّهِ» [رواه أحمد] فقبل أن يتوجه المسلم لإصلاح المنكرات الخارجية وعيوب الآخرين عليه خوض المعركة الأكبر والأولى كبح شهوات نفسه ومنعها من الظلم والعدوان وهو الأمر الذي لو فعله كل فرد لامتنعت الجريمة وساد العدل والوئام في المجتمع.
ومما يؤكد المسؤولية الفردية والتضامنية لإصلاح الكل ما أصلّه الرسول ﷺ في قوله: «كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» [رواه البخاري ومسلم] فالأب في بيته والموظف في عمله والتاجر في متجره والمعلم في صفه كلهم رعاة. وإصلاح المجتمع لا يتطلب معجزةح بل يتطلب فقط أن يقف كل إنسان في ثغره ويؤدي أمانته بكامل الصدق والإخلاص.
وكم لاحظنا تبنى العديد من الأحزاب السياسية ولا سيما الجماعات الدينية التي تعتبر الأقرب للشارع خطاباً تعبوياً لتجييش الشارع تحت شعارات الإصلاح ومحاربة الفساد إلا أن المفارقة تكمن في سلوكها العملي عند التمكين والتجربة فعندما أُتيحت لهذه الأحزاب فرصة إدارة مؤسسات حيوية واقتصادية انحازت لمصالحها الضيقة ومارست المحسوبية والتعصب الحزبي لصالح أعضائها على حساب الكفاءة الوطنية ولم يقدم من استلم منهم السلطة أي نموذج يُحتذى به في الحكم الرشيد بل تحولت وعودهم بالإصلاح إلى مجرد ذريعة للاستقطاب وتحقيق المكاسب السياسية وتجييش الجماهير حتى بلغ الحال ببعض أعضاء تلك الأحزاب للانحياز للحكومة من أجل منصب أو وظيفة ما ضاربا بفكره ومبادئه الحزبية عرض الحائط وان هذه السلوكيات وجهت أفراد مجتمعاً للبحث عن شماعات ليعلقوا عليها أخطاءهم فهو مجتمع محكوم عليه بالركود وحين ندرك جميعاً أننا شركاء في صياغة الإصلاح فلا يعقل أن نطلب أن يحكمنا الفاروق رضي الله عنه ونحن امثال مسيلمة وعبدالله بن أبي لأن صلاح الوطن يبدأ من صلاح بيوتنا وضمائرنا ووظائفنا وحسن تربيتنا لابنائنا عندها فقط سيبدأ التغيير الحقيقي الذي ننشده جميعاً فلنكف عن التساؤل: "ماذا قدمت لنا الدولة من اصلاح ؟" ولنبدأ بالسؤال: "ماذا قدمنا نحن لأنفسنا وللمجتمع من صلاح؟".