قبل يومين، كنت جالساً مع أحد الأصدقاء القادمين من رام الله، وسألني سؤالاً مباشراً: يا دكتور، لماذا الأردن مهتم بالضفة أكثر من أي دولة ثانية؟ ابتسمت وقلت له: لأن الضفة ليست جاراً لنا يا صديقي، الضفة هي نحن.
وهذه هي الحقيقة التي يجب أن نبدأ منها.
كثير من المحللين يتعاملون مع ملف الضفة الغربية كملف خارجي، وأنا أراه ملفاً داخلياً بامتياز. ما يحدث في نابلس وجنين والخليل والقدس، ينعكس علينا في إربد وعمان والكرك والعقبة في نفس اللحظة. أمنياً وسياسياً واجتماعياً وحتى اقتصادياً.
السياسة أولاً
نحن لسنا متفرجين. الأردن هو صاحب الوصاية الهاشمية التاريخية على القدس والمقدسات. هذه ليست شعاراً نرفعه في المناسبات، هذه أمانة في عنق كل هاشمي وكل أردني. وعندما يعتدي مستوطن على الأقصى، فكأنما اعتدى على بيتي في عمان.
ولذلك كان موقف جلالة الملك عبدالله الثاني واضحاً وحاسماً منذ اليوم الأول، وكرره سمو ولي العهد الأمير الحسين أكثر من مرة: لا للتهجير، ولا للتوطين، ولا للوطن البديل. القدس خط أحمر، والأردن لن يساوم على هذا المبدأ مهما كان الثمن. وهذا الموقف هو الذي يحمي الأردن وفلسطين معاً.
ثم الأمن.. وهذا هو الأهم
أنا كرجل قريب من الميدان وأتابع ما يجري، أقول لكم: ما يجري في الضفة اليوم خطير جداً.
الاقتحامات اليومية، والاستيطان الذي يلتهم الأرض، ومحاولات إضعاف السلطة الفلسطينية، كل هذا يخلق فراغاً. والفراغ في منطقتنا لا يبقى فراغاً، يملؤه التطرف والفوضى والسلاح.
والفوضى لا تقف عند الجسر. الفوضى تنتقل.
لهذا السبب تجد قواتنا المسلحة وأجهزتنا الأمنية ساهرة ليل نهار على الحدود الغربية. ليس من باب الاعتداء، بل من باب حماية بيتنا الداخلي. فأمن الضفة هو أمن الأردن، ومن لا يفهم هذه المعادلة فهو لا يفهم شيئاً في الأمن.
لماذا أقول إن الضفة هي الأنموذج؟
لأنها تكشف معادن الدول. هناك من يتاجر بالقضية الفلسطينية بالخطابات، وهناك من يدفع الثمن الحقيقي.
الأردن هو من يذهب إلى واشنطن وأوروبا ويقول لهم: أوقفوا هذا الجنون قبل أن ينفجر الإقليم كله. والأردن هو من يرسل المستشفى الميداني والمساعدات والدواء رغم كل الظروف الاقتصادية الصعبة. هذا هو الفرق بين القول والفعل.
بصراحة، أنا مطمئن. رغم كل السواد الذي نراه في الإقليم، مطمئن لأن لدينا قيادة تعرف ماذا تفعل، وجيشاً نثق به، وشعباً ملتفاً حول رايته الهاشمية.
في النهاية، ما يجري في الضفة الغربية ليس بعيداً عنا. هو في صلب أمننا الوطني. ومن يعتقد أن الأردن سيقف متفرجاً فهو واهم.
حفظ الله الأردن وحفظ فلسطين وأهلها، وحفظ الله قدسنا من كل مكروه.