يبدو أننا نقف على أعتاب ولادة شرق أوسط جديد، تتشكل ملامحه على وقع التحولات السياسية والاستراتيجية، وفي ظل تراجع الثقة بالتحالفات الدولية التقليدية، وفشل كثير منها في توفير الاستقرار أو حماية مصالح الدول التي راهنت عليها.
وفي خضم هذه التحولات، لم يعد التحرك خياراً مؤجلاً، بل أصبح ضرورة تفرضها طبيعة المرحلة ، فالدول التي تدرك اتجاهات التغيير، وتتحرك مبكراً لبناء مكانتها، هي الأقدر على حماية مصالحها وحجز موقعها في معادلات المستقبل، بدلاً من أن تجد نفسها مضطرة للتكيف مع خرائط يرسمها الآخرون.
وفي المنطقة اليوم، تتباين المشاريع وتتصارع الرؤى؛ فهناك مشروع إسرائيلي يسعى إلى فرض واقع جديد على أنقاض غزة، وسط المأساة الإنسانية والدمار الذي لحق بأهلها، وفي المقابل تبرز رؤية لإعادة بناء سوريا وإعمار ما دمرته سنوات الحرب، واستعادة الدولة ومؤسساتها وفتح الطريق أمام الاستقرار والتنمية.
إنها مفارقة تتجاوز حدود الجغرافيا والسياسة، لتطرح سؤالاً جوهرياً حول طبيعة المشاريع التي تصنع مستقبل الشعوب: هل نبني الإنسان والدولة والحضارة، أم نهدم ما بناه الآخرون، ثم ندير الفوضى ونفرض الوقائع بالقوة؟
وهذه المفارقة ليست جديدة في التاريخ؛ فقد شهدت المنطقة نماذج لمشاريع استلهمت من الإسلام قيم العلم والعمران وبناء الحضارة، كما شهدت صراعات رُفعت فيها الشعارات الدينية، بينما كانت نتائجها الدمار والانقسام وإضعاف المجتمعات. فالعبرة ليست بالشعارات التي تُرفع، بل بالنتائج التي تتحقق .
ان الشرق الأوسط القادم لن يكون بالضرورة لمن يملك القوة العسكرية وحدها، بل لمن يمتلك رؤية استراتيجية واضحة، ومشروعاً اقتصادياً قابلاً للحياة، ومؤسسات قادرة على البناء، وإرادة سياسية تحسن قراءة المتغيرات واستثمار الفرص