كثيراً ما يُسأل: أين يقع الأردن في الخارطة الجيوسياسية؟ هل هو دولة شامية أم خليجية؟ وأنا أجيب دائماً، من خلال خبرتي المتواضعة ومتابعتي لهذا الملف لسنوات، إن الأردن هو قلب العرب النابض، وهو الدولة الوحيدة التي تُعتبر بوابة الشام وخاصرة الخليج في آنٍ واحد.
ومن هنا تأتي أهمية هذه المقالة.
نحن في الأردن، شئنا أم أبينا، لا يمكن أن نفصل أمننا عن أمن الخليج العربي، وتحديداً عن أمن المملكة العربية السعودية. هذه ليست وجهة نظر سياسية عابرة، بل هي حقيقة جغرافية وتاريخية وعسكرية فرضتها علينا الطبيعة والتاريخ.
دعوني أشرحها ببساطة:
أولاً: العمق الجيوسياسي.. الأردن بلا خليج دولة محاصرة
انظروا إلى الخريطة. الأردن محاط بسوريا والعراق وفلسطين وإسرائيل. المنفذ البري الوحيد الآمن والمستقر لنا عبر التاريخ الحديث هو الجنوب، باتجاه المملكة العربية السعودية، وصولاً إلى الخليج العربي.
عندما كانت حدودنا الشمالية والشرقية ملتهبة بسبب الأزمات في سوريا والعراق، من الذي بقي المنفذ والشريان؟ كانت السعودية والخليج. بضائعنا، ومسافرونا، وحجاجنا ومعتمرونا، كلهم يمرون عبر هذا العمق. لذلك، عندما نقول إن الخليج هو العمق الاستراتيجي للأردن، نحن لا نبالغ، بل نتحدث عن شريان الحياة.
ثانياً: العمق الأمني.. ما يهدد الرياض يهدد عمان
أنا كرجل متابع للشأن الأمني، أقولها بوضوح: أي صاروخ حوثي يستهدف الرياض، هو يستهدف عمان معنوياً وأمنياً. وأي خلية إرهابية تحاول العبث بأمن السعودية، هي تحاول العبث بأمن الأردن.
لماذا؟ لأن عدونا واحد. الفكر المتطرف لا يعترف بالحدود، والمشروع التوسعي لا يتوقف عند حدود دولة. لذلك، كان التنسيق الأمني والاستخباري بين عمان والرياض على مدى عقود هو الأقوى والأعمق في المنطقة. وأنا أعرف ضباطاً أردنيين وسعوديين عملوا معاً في غرف عمليات مشتركة لحماية أمن الحرمين وأمن القدس في آن واحد.
ثالثاً: الإسناد الأردني للسعودية.. أنموذج يُدرّس
وهنا بيت القصيد، وهنا ما أريد أن أركز عليه.
البعض يعتقد أن العلاقة هي دعم خليجي للأردن فقط، وهذا فهم قاصر ومجتزأ. العلاقة إسناد متبادل، والأردن قدم للسعودية والخليج ما لم يقدمه أحد.
هل ننسى أن الجيش العربي الأردني كان وما زال هو المدرسة التي تخرج منها قادة الجيوش الخليجية؟ كم من ضابط سعودي وكويتي وإماراتي درس في الكلية العسكرية الملكية في الزرقاء؟
وهل ننسى أن الأردن كان دائماً في الصف الأول للدفاع عن أمن الخليج؟ في عاصفة الصحراء، وفي عاصفة الحزم، كان الطيار الأردني والجندي الأردني حاضراً، ليس مرتزقاً، بل صاحب قضية، يعتبر الدفاع عن السعودية دفاعاً عن بيته.
والأهم من كل ذلك، هو الإسناد السياسي والدبلوماسي. الأردن بقيادته الهاشمية الحكيمة، كان دائماً صوت الحكمة والعقل في الجامعة العربية ومجلس الأمن، مدافعاً عن الحق السعودي والخليجي في كل المحافل، ورافضاً أي تدخل في شؤونه الداخلية.
هذا هو النموذج الأردني السعودي الذي أتحدث عنه. هو نموذج للإسناد الحقيقي، ليس بالكلام، بل بالدم والعرق والموقف.
أختم بالقول: في عالم اليوم المتوحش، لا يمكن لدولة صغيرة أو متوسطة أن تعيش وحدها. نحن بحاجة إلى تحالفات حقيقية. وتحالفات الدم والمصير هي الأبقى. والتحالف الأردني السعودي الخليجي هو تحالف دم ومصير.
من يراهن على غير الخليج كعمق للأردن، فهو لا يقرأ التاريخ ولا الجغرافيا. ومن يراهن على غير الأردن كسند للخليج في الشمال، فهو أيضاً لا يقرأ التاريخ.
حفظ الله الأردن وحفظ الله الخليج، وحفظ الله السعودية قلب العروبة النابض