تُشكل الخطوة المباركة التي اتخذتها وزارة العدل باستحداث نظام الخبرة الجديد لدى المحاكم النظامية عهداً جديداً في مسيرة تطوير القضاء الأردني، إذ يُجسد هذا النظام رؤية طموحة لتحسين بيئة التقاضي وتسريع إجراءاتها عبر اعتماد البوابة الإلكترونية لوزارة العدل كمنصة شاملة لاختيار الخبراء وتكليفهم، وتفهّمهم لمهامهم الفنية، ومن ثم إيداع تقاريرهم إلكترونياً، ناهيك عن استحداث قلم خاص للخبرة الفنية كمرجعية تنظيمية تُعزز المتابعة والشفافية، غير أن القيمة الحقيقية لهذا التحول الرقمي تكتمل بوضع آلية تقييم حقيقية لأداء الخبراء ومساءلتهم لضمان الكفاءة وجودة التقارير، وتطبيق نظام اعتماد سنوي مشروط باجتياز امتحانات دورية ودورات تدريبية مستمرة تُصقل مهارات كل خبير وفق اختصاصه. وفي الوقت الذي تُسهم فيه هذه الإجراءات الرقمية في سرعة الفصل بغية الحد من تراكم القضايا وتجنب إحالة كم هائل منها إلى المراحل القضائية التالية—سواء أمام محكمة البداية بصفتها الاستئنافية أو لدى محاكم الاستئناف والتمييز—فإن تطبيق هذا النظام يكشف عن ملاحظات عملية جوهرية مفادها أن الأتمتة لا تُغني عن المعالجة الجذرية للعبء المادي والفني الملقى على كاهل السادة القضاة الذين ينظرون يومياً في كمّ هائل يُقارب 50 إلى 70 قضية يتخللها تدقيق تقارير خبرة معقدة وسماع بينات والمطالعة على مرافعات مطوّلة، وهو ما يُشكّل ضغطاً كبيراً يستدعي تنسيقاً وثيقاً بين وزارة العدل ورئيس المجلس القضائي ولجنة تطوير القضاء المُشكّلة بإرادة ملكية سامية من لدن صاحب الجلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين حفظه الله ورعاه، عبر الأخذ بتوصياتها وتعيين كادر واسع من السادة القضاة لمواكبة هذا التراكم وإتاحة المساحة الزمنية الكافية لإصدار القرارات بتدقيق وبحث وتأنٍّ وعدالة ناجزة. وختاماً، ونحن نمضي بثبات نحو تحديث الإجراءات والتشريعات، نؤكد على ضرورة وأهمية إشراك "نقابة المحامين" باعتبارها بيت الخبرة الأصيل والشريك الرئيس في كافة الإجراءات ومشاريع القوانين والأنظمة التي تشرع الحكومة ووزارة العدل في تعديلها أو إعدادها؛ لنقابة المحامين من دراية ميدانية عميقة بملامسة الواقع العملي ورصد مواضع الخلل والتطبيق، بما يضمن خروج هذه التشريعات والأنظمة بأسلوب يخدم العدالة الناجزة، ويصون حماية الحقوق، ويُكرّس سيادة القانون.