هناك مراحل في حياتنا لا تمرّ كغيرها، بل تترك في القلب أثرًا لا يُمحى، وتبقى في الذاكرة مهما مرّت السنوات. ولعلّ السنة الأخيرة في الجامعة واحدة من أجمل هذه المراحل وأكثرها تأثيرًا؛ فهي ليست مجرد سنة دراسية أخيرة، بل هي خلاصة سنوات من التعب والاجتهاد، وحكاية حلمٍ بدأ منذ اليوم الأول، وكبر مع كل خطوة حتى اقترب من أن يصبح حقيقة.
أتذكّر بداية الطريق، حين دخلت الجامعة أحمل في قلبي طموحًا كبيرًا، وأتطلّع إلى مستقبل أراه بعيدًا، دون أن أدرك كم من التجارب والمواقف والذكريات سترافقني في هذه الرحلة. مرّت السنوات بين محاضرات وامتحانات، وأيام من الجدّ والاجتهاد، ولحظات من القلق والتعب، وأخرى من الفرح والفخر بالإنجاز.
واليوم، وأنا أعيش السنة الأخيرة، أشعر بأن المشاعر أصبحت مختلفة؛ فهناك فرحة الاقتراب من التخرّج، وحنين إلى أيامٍ ستصبح قريبًا من الماضي، وشعور يصعب وصفه حين تدرك أن المكان الذي اعتدت الذهاب إليه كل يوم، والوجوه التي ألفتها، والتفاصيل الصغيرة التي عشتها لسنوات، ستتحوّل جميعها إلى ذكريات جميلة.
لم تكن الرحلة مجرّد دراسة للحصول على شهادة، بل كانت رحلة تعلّمت فيها الصبر، وتحمل المسؤولية، ومواجهة الصعوبات، والإيمان بأن لكل مجتهد نصيبًا، وأن الأحلام الكبيرة تحتاج إلى نفسٍ طويل وإرادة لا تستسلم.
وفي هذه المرحلة، أدركت أن النجاح الحقيقي لا يُقاس فقط بالمعدّل أو بالشهادة، بل بما يكتسبه الإنسان من علم وخبرة، وبقدرته على النهوض بعد كل تعثّر، والاستمرار مهما كانت الطريق صعبة. فخلف كل إنجاز أيام لا يعلم بتفاصيلها إلا الله، وخلف كل ابتسامة حكايات من التعب والدعاء والأمل.
ومع اقتراب التخرّج، أتطلّع إلى المستقبل بقلبٍ ممتلئ بالطموح، وأحمل معي امتنانًا لكل من ساندني وشجّعني، ولكل أستاذ كان له أثر في مسيرتي، ولعائلتي التي كانت وستبقى مصدر القوة والدعم في كل خطوة.
أقترب اليوم من نهاية مرحلةٍ شكّلت جزءًا مهمًا من حياتي، وأستعد لبداية مرحلة جديدة، مؤمنًا بأن ما مضى كان إعدادًا لما هو قادم، وأن الطموح لا يتوقف عند شهادة، ولا تنتهي الأحلام عند باب الجامعة.
قد تنتهي المحاضرات، وتُطوى صفحات الكتب، ونغادر مقاعد الدراسة، لكن أثر هذه السنوات سيبقى معنا طويلًا، يذكّرنا بأننا كنّا يومًا طلابًا نحلم، ونجتهد، وننتظر هذه اللحظة بكل شوق.
وفي النهاية، ليست أجمل النهايات تلك التي نغادر فيها المكان فحسب، بل تلك التي نغادرها ونحن نشعر بأننا كبرنا، وتعلّمنا، واقتربنا خطوة أخرى من أحلامنا.
ها أنا أقف على أعتاب التخرّج، أودّع مرحلة بكل ما فيها من تعب وذكريات، وأستقبل المستقبل بأملٍ جديد، سائلًا الله أن يجعل القادم أجمل، وأن يبارك في الجهد، ويكتب لنا التوفيق في كل خطوة.
فالحمد لله على طريقٍ بدأ بحلم، واقترب من نهايته بفضل الله، وما أجمل أن يكون الختام بدايةً لحكاية أجمل.