في وقتٍ تشتعل فيه المنطقة على وقع التصعيد والحروب والتحولات الكبرى، غادر جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين أرض الوطن، لا في زيارة بروتوكول عابرة، بل في جولة دبلوماسية مدروسة، تحمل في طياتها رسائل سياسية واقتصادية وأمنية واضحة: الأردن حاضر، وقوي، وله حلفاء في كل قارة.
أولاً: الدور الملكي - دبلوماسية القائد
لطالما كان جلالة الملك هو رأس الدبلوماسية الأردنية، وصوتها الأعلى في المحافل الدولية. فحين يتحدث الملك، لا يتحدث عن نفسه، بل يتحدث باسم دولةٍ صغيرةٍ بمساحتها، كبيرةٍ بمكانتها.
في كوالالمبور، استقبله ملك ماليزيا السلطان إبراهيم بمراسم ملكية كاملة، ومنحه وسام التاج الملكي من الدرجة الأولى، أعلى وسام ماليزي، بينما منحه جلالته قلادة الحسين بن علي، أرفع وسام أردني. هذا التبادل ليس مجاملة، بل هو إعلان سياسي بأن العلاقة بين عمان وكوالالمبور ارتقت إلى مستوى التحالف الاستراتيجي.
وفي كانبرا، بعد غياب دام عشر سنوات، عاد الملك إلى أستراليا، ليؤكد للأستراليين أن الأردن شريك لا غنى عنه في الشرق الأوسط، كما وصفه وزير الدفاع الأسترالي ريتشارد مارليس.
ثانياً: الهدف السياسي - تثبيت الموقف الأردني
الهدف الأول للزيارتين كان سياسياً بامتياز: شرح الموقف الأردني الثابت من قضايا المنطقة، وعلى رأسها القضية الفلسطينية، وضرورة وقف التصعيد الخطير في المنطقة، ورفض التهجير بكل أشكاله، ودعم حل الدولتين.
لقد أدرك جلالته أن العالم لم يعد محصوراً في واشنطن وبروكسل، فاتجه شرقاً وجنوباً، لينقل صوت الأردن إلى دول آسيا والمحيط الهادئ، ويبني جبهة دولية تدعم الاستقرار والسلام العادل.
ثالثاً: البعد الاقتصادي - ما الذي يهمنا كمواطنين؟
قد يسأل المواطن الأردني البسيط: ماذا أستفيد أنا من زيارة إلى ماليزيا وأستراليا؟ والجواب يكمن في ثلاث نقاط جوهرية:
1. ماليزيا: بوابة آسيا
ماليزيا دولة إسلامية صاعدة اقتصادياً، وهي بوابة الأردن إلى سوق يضم أكثر من 400 مليون نسمة في جنوب شرق آسيا. التعاون معها يعني فتح أسواق جديدة للأدوية والأسمدة الأردنية والصناعات الغذائية، وجذب استثمارات ماليزية في الطاقة والسياحة، وخلق فرص عمل جديدة للشباب الأردني.
1. أستراليا: الأمن الغذائي والتعليم
أستراليا من أكبر الدول المصدرة للقمح واللحوم في العالم. التعاون معها يعني تأمين الأمن الغذائي الأردني بأسعار مستقرة، وفتح فرص تعليمية للطلبة الأردنيين، وتشجيع السياحة الأسترالية إلى البترا والعقبة ووادي رم.
1. تنويع الحلفاء: استراتيجية الملك
يعمل جلالته على استراتيجية "تنويع الحلفاء"، فلا يبقى الأردن معتمداً على طرف واحد، بل يبني علاقات متينة مع آسيا وأستراليا وأوروبا وأمريكا. هذا التنويع يحمي الأردن اقتصادياً ويقوي موقفه في المفاوضات مع صندوق النقد والبنك الدولي.
رابعاً: البعد الأمني
لم تكن الزيارتان بعيدتين عن الملف الأمني. فماليزيا شريك مهم في مكافحة الإرهاب والتدريب العسكري، وأستراليا حليف غربي مهم في مجال الأمن والاستقرار الإقليمي. والتنسيق معهما يعني حماية حدود الأردن وتعزيز قدراته الدفاعية.
خاتمة: الأردن أولاً
لقد كانت زيارتا الملك إلى ماليزيا وأستراليا تجسيداً لدور الهاشميين التاريخي: ملوك يحملون همّ الوطن على أكتافهم، ويسافرون شرقاً وغرباً ليحفظوا للأردن مكانته، ويؤمنوا لشعبه الرزق والأمن والكرامة.
لقد أثبتت هذه الجولة أن الأردن، بقيادة جلالة الملك، ليس دولة صغيرة تتلقى الأحداث، بل دولة فاعلة تصنعها، وتفرض حضورها باحترام وحكمة.
حفظ الله الأردن، وحفظ الله جلالة الملك عبدالله الثاني، وولي عهده الأمين، وجيشنا العربي المصطفوي وشعبنا الاردني العظيم.