في الأزمات الكبرى، لا يُقاس تضامن الدول ببيانات الإدانة والمواقف المعلنة وحدها، بل بقدرتها على تحويل الموقف السياسي إلى استعداد عملي، والتفاهمات الدبلوماسية إلى تعاون مؤسسي، وإدراك المخاطر المشتركة إلى قدرة على منعها واحتوائها.
وتعيد التهديدات التي تستهدف أمن المملكة العربية السعودية، بما فيها الهجمات التي طالت منشآت مدنية وحيوية، طرح سؤال يتجاوز حدود المملكة: هل يمتلك النظام العربي من التنسيق والجاهزية ما يكفي لحماية دوله ومصالحه المشتركة، أم أنه ما زال يتحرك، في كثير من الأحيان، بعد وقوع التهديد بدلًا من الاستعداد له؟
إن أمن السعودية ليس شأنًا سعوديًا محضًا؛ فالمملكة تمثل مركز ثقل سياسيًا واقتصاديًا واستراتيجيًا في المنطقة، وترتبط مكانتها وتأثيرها بأمن الخليج والبحر الأحمر واستقرار أسواق الطاقة والتجارة وسلاسل الإمداد. ومن ثم، فإن أي تهديد مستدام لأمنها لا تتوقف تداعياته عند حدودها، بل يمكن أن يمتد إلى محيطها العربي وإلى مصالح إقليمية ودولية أوسع.
لكن أهمية هذه الحقيقة لا تكمن في إعلان التضامن معها فحسب، وإنما في استخلاص ما تفرضه من مراجعة لمفهوم الأمن العربي، وأدوات إدارته، وطبيعة الشراكات المطلوبة لحمايته.
عندما تتعرض دولة ذات وزن استراتيجي بحجم السعودية لضغوط أمنية متكررة، فإن المسألة لا تتعلق فقط بقدرتها على حماية أراضيها ومواطنيها ومنشآتها؛ بل تتصل أيضًا بتأثير هذه الضغوط في التوازن الإقليمي، وفي حركة التجارة والطاقة، وفي قدرة الدول العربية على الحفاظ على هامش من الاستقرار يسمح لها بمواصلة التنمية وصون مصالحها.
فاستنزاف دولة محورية قد يفرض عليها إعادة توجيه مواردها وأولوياتها، ويؤثر في قدرتها على الاستثمار والتنمية والانخراط في معالجة أزمات المنطقة. كما أن اضطراب الممرات الحيوية أو استهداف البنية التحتية للطاقة والنقل يمكن أن ينقل كلفة الصراع إلى اقتصادات ومجتمعات تتجاوز أطرافه المباشرين.
ومع ذلك، لا ينبغي النظر إلى الأمن الإقليمي باعتباره معادلة صفرية؛ فقوة دولة عربية لا تستلزم إضعاف أخرى، كما أن التعاون لحماية المصالح المشتركة لا يعني تطابق الدول في جميع سياساتها وتقديراتها. المطلوب هو بناء أرضية مشتركة تقوم على احترام السيادة، وحماية المصالح الحيوية، ومنع انتقال الصراعات عبر الحدود، وصون قدرة كل دولة على اتخاذ قرارها الوطني.
ومن هنا، فإن دعم أمن السعودية يستند إلى اعتبارات الأخوة والتاريخ، لكنه يقوم كذلك على قراءة واقعية للمصالح العربية المتداخلة.
تتضح هذه المعادلة بصورة خاصة في العلاقة الأردنية السعودية. فالعلاقة بين البلدين ليست مجرد علاقة جوار أو امتداد للروابط التاريخية، بل تجمعها مصالح أمنية واقتصادية وسياسية، وتتأثر بالتحولات التي تشهدها المنطقة، سواء في الخليج أو البحر الأحمر أو بلاد الشام أو اليمن.
بالنسبة إلى الأردن، يرتبط استقرار السعودية ببيئة إقليمية أكثر قدرة على احتواء الأزمات، وبحماية مسارات التجارة والطاقة، وباستمرار التنسيق في مواجهة التهديدات العابرة للحدود، ومنها التهريب والجريمة المنظمة والمخاطر التي تستهدف المنشآت الحيوية.
كما أن ارتباط الأردن بالبحر الأحمر عبر العقبة يجعل أمن الملاحة والتجارة البحرية جزءًا من حساباته الاقتصادية والاستراتيجية، لا قضية بعيدة جغرافيًا. وأي اضطراب مستدام في الممرات البحرية أو سلاسل الإمداد يمكن أن ينعكس على كلفة النقل والتأمين والتجارة، وعلى قدرة الاقتصادات العربية على الحفاظ على انسياب مصالحها.
وفي المقابل، يشكل استقرار الأردن ومؤسساته وقدرته على حماية حدوده وإدارة الأزمات عنصرًا مهمًا في بيئته الإقليمية. فالعلاقة بين البلدين ليست مسألة اعتماد أحادي، بل مساحة لتكامل المصالح والخبرات والقدرات.
لهذا، فإن وقوف الأردن إلى جانب السعودية في حماية سيادتها وأمنها ليس مجرد موقف أخوي، ولا خروجًا عن حسابات المصلحة الوطنية؛ بل هو تعبير عن التقاء المصالح، مع الحفاظ على استقلال القرار الأردني وخصوصية تقديراته الوطنية.
والتحدي الحقيقي هو أن يترجم هذا الالتقاء إلى تعاون مستدام، لا أن يبقى مرتبطًا بموجات التصعيد أو الاتصالات التي تلي وقوع الأزمات.
من الأخطاء الشائعة اختزال الردع في امتلاك السلاح أو إعلان الاستعداد لاستخدامه. فالردع الفعال يقوم على منظومة متكاملة تجمع القدرة والجاهزية والإرادة ووضوح الرسائل، وتستند إلى معلومات موثوقة وتقدير دقيق للمخاطر. فالقدرة تعني امتلاك الوسائل اللازمة لحماية الدولة ومصالحها. والجاهزية تعني قدرة المؤسسات على العمل المشترك واتخاذ القرار في الوقت المناسب. أما الإرادة، فتتصل بوضوح الموقف الوطني في الدفاع عن السيادة والمصالح، فيما يتطلب وضوح الرسائل أن يفهم الآخرون حدود المقبول وعواقب الاعتداء، من دون أن تؤدي الرسائل المتضاربة أو المبالغ فيها إلى سوء تقدير أو تصعيد غير مقصود. وفي البيئة الأمنية الراهنة، لم تعد التهديدات محصورة في الجيوش النظامية أو الحدود التقليدية. فالصواريخ والطائرات المسيّرة، والهجمات السيبرانية، واستهداف البنية التحتية للطاقة والنقل، والتهديدات البحرية، والعمليات المعلوماتية، كلها تفرض على الدول تطوير قدرتها على اكتشاف المخاطر مبكرًا، وربط المعلومات بالقرار، وحماية المنشآت، وضمان استمرارية الخدمات الأساسية عند وقوع الأزمات.
ولا يكتمل الردع من دون مرونة اقتصادية ومؤسسية، وثقة مجتمعية، واتصال استراتيجي يقدّم المعلومات الدقيقة في الوقت المناسب، ويحد من الشائعات، ويحافظ على ثقة الجمهور بالمؤسسات. فالدولة القادرة ليست فقط من تستطيع منع التهديد أو مواجهته، بل أيضًا من تستطيع امتصاص آثاره، واستعادة وظائفها الأساسية، ومنع الخصم من تحقيق أهدافه الأوسع. وهنا تتقاطع الأبعاد العسكرية والأمنية والاقتصادية والمعلوماتية في مفهوم واحد للأمن الوطني الشامل.
لقد أثبتت التجارب أن بيانات التضامن، على أهميتها السياسية والأخلاقية، لا تكفي وحدها لمواجهة تهديدات مركبة وسريعة التغير. فالتضامن يحدد الموقف، أما الشراكة الاستراتيجية فتحدد ما يمكن فعله، وكيفية تنفيذه، والجهة المسؤولة عنه، والموارد اللازمة له. ولا يعني الانتقال إلى الشراكة بالضرورة إنشاء تحالف عسكري شامل أو الدخول في مواجهات مفتوحة. بل يمكن أن يبدأ بخطوات عملية ومتدرجة، تُبنى على المصالح المشتركة والأطر القانونية والقرارات السيادية للدول المعنية. وفي هذا السياق، يمكن تطوير التعاون الأردني السعودي والعربي في خمسة مسارات مترابطة:
أولًا: الإنذار المبكر وتبادل المعلومات.
تطوير آليات مؤسسية لتبادل المعلومات ذات الصلة بالتهديدات العابرة للحدود، وتحسين القدرة على رصد المخاطر وتقديرها، وتحديد مؤشرات التصعيد قبل تحولها إلى أزمات يصعب احتواؤها.
ثانيًا: حماية المنشآت والبنية التحتية الحيوية.
تبادل الخبرات في حماية مرافق الطاقة والمياه والنقل والاتصالات والمطارات والموانئ، وتعزيز الجاهزية للتعامل مع الصواريخ والمسيّرات والهجمات السيبرانية، مع الاهتمام بخطط استمرارية الأعمال واستعادة الخدمات.
ثالثًا: إدارة الأزمات والجاهزية المؤسسية.
توسيع التدريب المشترك وتبادل الخبرات في الاستجابة للطوارئ، وتنسيق الأدوار بين المؤسسات العسكرية والأمنية والمدنية، وإجراء تمارين لاختبار سرعة الاتصال وصناعة القرار واستمرارية الخدمات في الظروف الاستثنائية.
رابعًا: الأمن البحري والاقتصادي.
تعزيز التنسيق لحماية حرية الملاحة في البحر الأحمر وخليج العقبة، ورفع جاهزية الموانئ وسلاسل الإمداد، وتطوير آليات للتعامل مع اضطرابات النقل والتجارة والطاقة، بما يخفف آثار الأزمات على الاقتصادات العربية.
خامسًا: الاتصال الاستراتيجي والأمن المعلوماتي.
تطوير تبادل الخبرات في التحقق من المعلومات، والتعامل مع الشائعات، ورصد حملات التضليل، وتنسيق الرسائل الرسمية عند الأزمات بما يحفظ دقة المعلومات وثقة الجمهور، من دون تحويل الاتصال الحكومي إلى أداة للمبالغة أو حجب الحقائق.
هذه المسارات ليست بديلًا عن المسؤولية الوطنية لكل دولة، ولا تفترض تطابق جميع السياسات، لكنها تتيح بناء قدرة مشتركة حيث تتقاطع المصالح والمخاطر. وهي تنقل التعاون من مستوى النوايا العامة إلى إجراءات يمكن التخطيط لها وتدريب المؤسسات عليها وتقييم نتائجها.
يستحق البحر الأحمر وباب المندب اهتمامًا خاصًا في أي تصور للأمن العربي. فالممرات البحرية ليست مجرد مساحات جغرافية؛ إنها شرايين للتجارة والطاقة، ومرتكزات لاقتصادات الدول المشاطئة وغيرها من الدول التي تعتمد على انسياب التجارة الدولية.
إن اضطراب الملاحة أو تهديد السفن والمنشآت الساحلية لا يقتصر أثره على دولة بعينها، بل قد يرفع تكاليف النقل والتأمين، ويؤخر وصول السلع، ويؤثر في الموانئ وسلاسل الإمداد، ويزيد الضغوط على اقتصادات المنطقة. ومن هنا، فإن المقاربة المطلوبة لأمن البحر الأحمر يجب أن تجمع بين حماية حرية الملاحة، واحترام سيادة الدول، ودعم استقرار الدول المطلة عليه، ومعالجة مصادر النزاع، وتعزيز قدرات الإنذار والاستجابة. فالحماية البحرية وحدها لا تعالج جذور عدم الاستقرار، كما أن المعالجة السياسية لا تغني عن الجاهزية اللازمة لحماية الملاحة والمنشآت.
وبالنسبة إلى الأردن، فإن ميناء العقبة يجعل هذا المجال جزءًا مباشرًا من أمنه الاقتصادي. لذلك فإن التعاون في هذا الملف يمثل مثالًا واضحًا على كيف يمكن للمصالح المتداخلة أن تتحول إلى برامج عمل مشتركة تخدم الأردن والسعودية وسائر الدول المعنية.
لا تقتصر التحديات الإقليمية على الأسلحة أو الهجمات المباشرة؛ فهناك أيضًا مخاطر تنشأ عندما تمتلك جماعات مسلحة قدرات تؤثر في قرار الحرب والسلم خارج مؤسسات الدولة الشرعية، أو عندما تتحول أراضي الدول إلى منصات لصراعات الآخرين.
إن استقرار المنطقة يتطلب احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها، ودعم مؤسساتها الشرعية، ومنع نقل الصراعات إلى أراضيها أو استخدام أراضيها لتهديد جيرانها. كما يتطلب معالجة سياسية للنزاعات، لأن الإجراءات الأمنية، مهما بلغت أهميتها، لا تستطيع وحدها بناء استقرار دائم إذا بقيت أسباب الصراع قائمة. ومن هذا المنظور، فإن دعم أمن السعودية يجب أن يتكامل مع رؤية أوسع لأمن المنطقة، تقوم على منع التصعيد، وحماية المدنيين والمنشآت المدنية، واحترام القانون الدولي، وتعزيز قدرة الدول على إدارة شؤونها وصون قرارها الوطني.
فالدولة القوية ليست تلك التي تمتلك أدوات القوة فحسب، بل التي تمتلك أيضًا شرعية مؤسساتها، وتماسك مجتمعها، وقدرة اقتصادها، وفاعلية دبلوماسيتها، ومهارة إدارة الأزمات قبل تفاقمها.
إن الشراكة الاستراتيجية لا تُختبر فقط عند وقوع الاعتداءات، بل تبدأ قبلها: في تبادل المعلومات، وتنسيق التقديرات، وتحديد مجالات التعاون، وتدريب المؤسسات، ووضع إجراءات واضحة للتعامل مع المخاطر المشتركة.
ويقتضي ذلك الانتقال من التنسيق الظرفي إلى العمل المؤسسي المستمر؛ ومن الاتصالات التي تفرضها الأزمة إلى آليات منتظمة لتقدير المخاطر؛ ومن إعلان النوايا إلى تحديد أهداف قابلة للقياس، ومراجعة الجاهزية، واستخلاص الدروس من كل تجربة.
وفي الوقت نفسه، ينبغي أن تظل الشراكة مرنة ومتدرجة، تحترم سيادة الدول واختلاف أولوياتها، وتستند إلى الأطر القانونية القائمة، وتمنح الدبلوماسية مساحة لتخفيف التوتر ومنع سوء التقدير. فبناء القدرة الدفاعية لا يتعارض مع السعي إلى التسويات السياسية؛ بل إن القدرة على حماية المصالح قد تساعد على منع الحرب، عندما تقترن بضبط النفس ووضوح الأهداف ووجود قنوات فعالة للاتصال.
ولا يحتاج الأردن والسعودية إلى انتظار أزمة جديدة لإدراك أهمية التعاون، كما لا تحتاج الدول العربية إلى تطابق كامل في سياساتها كي تبدأ العمل في المجالات التي تتفق فيها مصالحها.
إن أمن السعودية من أمن العرب ليس شعارًا للتضامن وحده، بل تعبير عن حقيقة استراتيجية تتصل بترابط المصالح والمخاطر في منطقة لا تستطيع دولها عزل نفسها عن تداعيات ما يجري حولها.
وبالنسبة إلى الأردن، فإن مساندة السعودية في حماية سيادتها وأمنها تتسق مع المصلحة الوطنية الأردنية، ومع الحاجة إلى بيئة إقليمية أكثر استقرارًا، وممرات تجارية آمنة، وتعاون قادر على احتواء التهديدات العابرة للحدود.
لكن القيمة الحقيقية لهذا الموقف تظهر عندما يتجاوز حدود التصريح السياسي إلى بناء القدرة: قدرة على الإنذار المبكر، وحماية المنشآت، وتبادل المعلومات، وإدارة الأزمات، وصون الملاحة، ومواجهة التضليل، واستعادة الخدمات عند الطوارئ.
لسنا بحاجة إلى افتراض أن جميع الدول العربية ستتبنى مقاربة واحدة لكل أزمة، ولا إلى تحويل كل تضامن إلى التزام عسكري مفتوح. ما نحتاج إليه هو اتفاق عملي على حماية السيادة، وصون المصالح الحيوية، ومنع انتقال الصراعات، وتطوير التعاون حيث تتلاقى المصالح والقدرات.
فالسياسة تحدد الموقف، والاستراتيجية ترتب الأولويات، والقدرة تحول الإرادة إلى فعل، والجاهزية تقلل كلفة المفاجأة.
وحين نقف إلى جانب السعودية، فإننا لا نعبر عن رابطة أخوية فحسب، بل نؤكد أهمية التوازن والاستقرار في بيئة إقليمية تمس أمن الأردن ومصالح العرب. وحين نبني شراكات قائمة على المعرفة والجاهزية واحترام السيادة، فإننا نعزز قدرة دولنا على حماية قرارها ومواجهة المخاطر بفاعلية أكبر.
إن الاختبار الحقيقي للأمن العربي ليس عدد البيانات التي نصدرها عندما تقع الأزمة، بل مقدار ما نكون قد أنجزناه قبل وقوعها.
من التضامن إلى الشراكة، ومن رد الفعل إلى الاستباق، ومن إعلان المواقف إلى بناء القدرة؛ هنا يبدأ الانتقال من أمن تتجاور فيه الدول إلى أمن تتعاون فيه على حماية مصالحها، من دون أن تتنازل عن سيادتها أو استقلال قرارها.
* مستشار وخبير في الاتصال الاستراتيجي والأمن الوطني، ومتخصص في القضايا الاستراتيجية والتوازنات الإقليمية وإدارة الأزمات.