هل يكفي أن تكون دولة "تنجو" من محيطها، أم آن الأوان لتكون دولة "يحتاجها" محيطها؟
ثمة سؤال صامت يحكم كل قرار استراتيجي في عمّان منذ سنوات، ونادراً ما يُطرح علناً: هل يكفي أن تكون دولة "تنجو" من محيطها، أم آن الأوان لتكون دولة "يحتاجها" محيطها؟
هذا ليس سؤالاً تزيينياً، بل هو الخط الفاصل بين مصيرين متناقضين لدولة تقف، كما كانت دائماً، على شفا حفرة من التناقضات الإقليمية.
أولاً: الجغرافيا التي كفّت عن أن تكون لعنة. لعقود طويلة، قُرئت الخريطة الأردنية كقائمة تهديدات لا كدفتر فرص:
● شمالاً: فراغ أمني وتهريب عبر سوريا.
● شرقاً: موجات لجوء وشبكات مخدرات عابرة من العراق.
● غرباً: قنبلة ديموغرافية-سياسية موقوتة ومفتوحة على كل الاحتمالات.
● جنوباً: عمق صحراوي يعاني من شح الموارد الاقتصادية الفورية.
في هذه المعادلة القاسية، وُضع معيار النجاح الأردني في خانة واحدة: البقاء. لم يُسأل صانع القرار يوماً عما حققته عمّان، بل عما إذا كانت قد صمدت. وهذا بحد ذاته يعكس حجم الإنهاك الاستراتيجي لدولة صُمم دورها التاريخي للمقاومة والدفاع، لا للمبادرة والهجوم.
لكن القراءة الاستراتيجية الباردة للخرائط تؤكد حقيقة راسخة: كل ما يجعل موقعاً "خطيراً" هو ذاته ما يجعله "لا غنى عنه". الفارق الحقيقي لا يكمن في الجغرافيا، بل فيمن يمتلك الجرأة لإعادة تعريفها واستثمارها.
ثانياً: نافذة الفرصة النادرة. اليوم يتشكل مشهد إقليمي ودولي فريد لن يتكرر بسهولة:
● التحول السوري: بعد رفع العقوبات وعودة دمشق إلى الحضن الإقليمي، تفتح سوريا الباب لأول مرة منذ عقد ونصف أمام احتمال عودتها كدولة ذات وزن. وتركيا تستعد لإعادة فتح الممر التجاري التاريخي عبر سوريا إلى الأردن والخليج ليصبح جاهزاً بالكامل في 2026، بينما تسوّق دمشق نفسها رسمياً كممر تجاري يربط الشرق بالغرب. الحدود الشمالية تتحول من "جرح مفتوح" إلى شريان تجاري استراتيجي يربط الخليج بتركيا وأوروبا.
● تعددية الأقطاب: تعيد قوى الخليج وتركيا، وبينها آسيا الصاعدة، صياغة علاقاتها الأمنية والاقتصادية بمعزل عن منطق الهيمنة القطبية الأحادية. وهذا يمنح الدول متوسطة الحجم، كالأردن، هامش مناورة حقيقي وغير مسبوق.
● إعادة رسم خرائط التجارة والطاقة: اضطرابات مضيق هرمز والبحر الأحمر حوّلت الممرات البرية البديلة من ترف لوجستي إلى أصل استراتيجي. من يملك الأرض الآمنة بين الخليج والمتوسط يملك ورقة لم يملكها من قبل.
● مسار عربي موازٍ قائم فعلاً: الأردن ليس في بداية الطريق. مبادرة "الشام الجديد" التي تجمعه مع مصر والعراق منذ سنوات هي بالفعل نموذج ربط إقليمي مصغّر — طاقة كهربائية عراقية، غاز مصري، وممرات تجارية بينية. المشروع الأكبر اليوم لا يُبنى من فراغ، بل يمتد فوق أساس قائم ويحتاج فقط إلى تسريع وتوسيع.
رغم غياب النفط والأسواق الداخلية العملاقة، يمتلك الأردن رأس مال استراتيجي أثمن بكثير: الموقع الحاكم، الثقة السياسية، والاستقرار المؤسسي النسبي في إقليم يتهاوى. هذا ليس شعاراً تسويقياً، بل ميزة تفاوضية يجب تسييلها إلى نفوذ.
ثالثاً: الدور الملكي — من الدبلوماسية إلى الاستثمار
كثير من هذا التحول لم يحدث بمعزل عن قرار سياسي واعٍ، بل بفعل دور مباشر للملك عبدالله الثاني في قيادة الدبلوماسية الاقتصادية الأردنية على أكثر من مسار متزامن.
فمبادرة "الشام الجديد" نفسها وُلدت من تنسيق ثلاثي مباشر بين الملك عبدالله الثاني ونظيريه المصري والعراقي، حوّلها من فكرة إلى آلية عمل قائمة لملفات الطاقة والغاز والربط التجاري. وزيارات الملك عبدالله الثاني المتكررة للخليج، وتحديداً للإمارات والسعودية، لم تكن بروتوكولية بقدر ما مهّدت الأرضية السياسية لاتفاقيات استثمارية كبرى، أبرزها مشروع السكك الحديدية مع أبوظبي.
على المسار السوري، كان الموقف الأردني الرسمي، وعلى رأسه الملك عبدالله الثاني، من أوائل الأصوات العربية التي دعت لإعادة دمج دمشق إقليمياً بعد رفع العقوبات، انطلاقاً من قراءة أن استقرار سوريا شرط مباشر لأمن الأردن الاقتصادي قبل أن يكون شأناً سياسياً بحتاً.
أما على الملف الأكثر حساسية، فقد ظل الملك عبدالله الثاني الصوت الأبرز إقليمياً ودولياً في التحذير من مخاطر الضم الزاحف وتصعيد الاستيطان، والدفاع عن الوصاية الهاشمية على المقدسات في القدس. وهذا موقف يتقاطع مباشرة مع جوهر هذا المقال: أن استقرار الأردن السياسي والديمغرافي ليس ملفاً منفصلاً عن مشروع "دولة الربط"، بل شرط بقائه.
بعبارة أخرى، "دولة الربط" ليست مساراً تقنياً بيروقراطياً فقط، بل مشروع بقيادة سياسية عليا واضحة الملامح، ومحك الجرأة المؤسسية الذي يطرحه هذا المقال يبدأ من تحويل هذا الزخم الملكي إلى تنفيذ حكومي وتشريعي بنفس السرعة.
رابعاً: الثمن الحقيقي... ومن يملك حق النقض
التحول نحو نموذج "دولة الربط" لا يُبنى بالبيانات الدبلوماسية ولا بمؤتمرات العلاقات العامة، بل يتطلب هندسة صلبة: موانئ تُطوَّر بكفاءة عالية، سكك حديد وشبكات طاقة عابرة للحدود، وإصلاحات مؤسسية تليق بسرعة الإيقاع الإقليمي لا ببطء الروتين التقليدي.
وهنا يجب أن نكون صادقين: من يدفع الثمن؟ في أبريل 2026 وقّع الأردن مع الإمارات مشروع سكك حديدية بقيمة 2.3 مليار دولار، لمدّ 360 كم من خطوط الحديد تربط ميناء العقبة بمناجم الفوسفات والبوتاس، بطاقة نقل مستهدفة تبلغ 16 مليون طن سنوياً، كخطوة أولى نحو شبكة وطنية تصل العقبة بسوريا والمتوسط. هذه ليست خطة على الورق، بل الدليل الحي على أن "دولة الربط" بدأت تتشكل فعلاً. لكن رأس المال الخليجي له ثمن سياسي: من يموّل الربط يملك حق النقض عليه.
التبعية المالية: العقدة الداخلية الأعمق
والتناقض الأعمق: كيف تحتفي عمّان بـ"هامش مناورة" بعيداً عن الهيمنة الأحادية، بينما بنية موازنتها تعتمد تاريخياً على المساعدات الأمريكية والغربية؟ هذه معضلة أعمق من معضلة الحدود لأنها داخلية بامتياز: لا سيادة تفاوضية كاملة لمن لا يملك سيادة تمويلية.
الخروج من هذا الفخ لا يكون بقطع الحبل دفعة واحدة، بل بتنويع مصادر التمويل تدريجياً: رأس مال خليجي للبنية التحتية، شراكات آسيوية (صينية وكورية بالذات) في الطاقة والسكك، وتمويل أوروبي مشروط بمشاريع الربط الكهربائي والهيدروجين الأخضر. كل مصدر تمويل إضافي هو نقطة نفوذ تفاوضي أقل احتكاراً من جهة واحدة.
وثمة شرط مسبق يُنسى دائماً: الماء والطاقة. الأردن من أفقر دول العالم مائياً، ولا دولة ربط بلا أمن مائي وطاقي. الربط الكهربائي الإقليمي ليس ترفاً، بل البنية التحتية الصامتة التي يقوم عليها كل ما عداه.
خامساً: إسرائيل — العقدة التي لا يمكن تجاوزها بجملة واحدة
لا يمكن الحديث عن "دولة ربط" في هذا الموقع الجغرافي دون مواجهة الحقيقة الأصعب: أي ممر تجاري أو كهربائي أو طاقي حقيقي بين الخليج والمتوسط سيمر عبر إسرائيل أو بمحاذاتها المباشرة. تجاهل هذه الحقيقة لا يجعلها تختفي، بل يجعل كل تصور لـ"دولة الربط" هندسة ناقصة من الأساس.
المعضلة مزدوجة:
● على الصعيد الوظيفي، أي بنية تحتية إقليمية للطاقة أو التجارة تفترض حداً أدنى من التنسيق الأمني والتقني مع إسرائيل، سواء اعترفت الحكومات بذلك علناً أو أدارته بهدوء عبر قنوات فنية.
● على الصعيد الوجودي، الضفة الغربية ليست "حدوداً غربية" بالمعنى الكلاسيكي، بل قضية تمس التركيبة السكانية والهوية الوطنية الأردنية ذاتها. وهذا ما يجعل أي انفتاح وظيفي على إسرائيل محفوفاً بحساسية داخلية عالية، لا يمكن التعامل معها بمنطق البراغماتية الاقتصادية وحدها.
لنقيّم حجم ما يجري فعلياً: مطلع 2026 أقرت إسرائيل 22 مستوطنة جديدة، وخصصت 2.7 مليار شيكل لإقامة 17 مستعمرة خلال خمس سنوات، في ما يمكن وصفه بضم فعلي للأمر الواقع، بينما أدانت ثماني دول عربية وإسلامية بينها الأردن التوسع الاستيطاني في منطقة E1. هذه ليست "توترات حدودية"، بل إعادة رسم لخريطة الصراع على مرمى حجر من عمّان.
هنا بالذات تكمن الورقة الأردنية النادرة: أي مشروع ضم يقوّض الاستقرار الذي يحتاجه الجميع، بما في ذلك إسرائيل نفسها ومشاريع الربط الإقليمي كلها. من يريد ممرات آمنة يحتاج عمّان مستقرة، ومن يحتاج عمّان مستقرة عليه أن يفهم أن الضم الزاحف يقوّضها. بمعنى آخر: استقرار الأردن ليس مصلحة أردنية فقط، بل شرط تشغيلي لأي مشروع ربط إقليمي يشمل إسرائيل، وهذه هي الورقة التي لم تُستثمر تفاوضياً بالقدر الكافي حتى الآن.
سادساً: اختبار الضغط
ولكي لا يكون هذا تحليلاً إنشائياً، لنفترض الفشل: انفجار الأوضاع في الضفة يغلق البوابة الغربية، تعثّر التمويل الخليجي يجمّد مشاريع السكك، وبطء الإصلاح المؤسسي يبدد نافذة العقد الحالي. النتيجة؟ عقد آخر من إدارة الأزمات، لكن هذه المرة بلا رصيد البقاء القديم، لأن الإقليم الجديد لا يكافئ من يصمد بل من يربط. التفكير في الهزيمة ليس تشاؤماً، بل شرط المصداقية.
سابعاً: ماذا يعني "الجرأة" عملياً؟
الحديث عن "جرأة سياسية ومؤسسية" يبقى ناقصاً بلا تحديد. عملياً، هذا يعني على الأقل:
1. تسريع تشريعات الاستثمار المرتبطة بالموانئ والسكك، بحيث لا يبقى تمويل الاتفاقيات الموقعة (كمشروع العقبة-سوريا) رهينة بطء الروتين البيروقراطي.
2. تفاوض مباشر ومبكر مع دمشق على تعرفة العبور وشروط التشغيل المشترك للخط الحدودي، قبل أن تتحول سوريا نفسها إلى طرف تفاوضي أقوى بعد استقرارها.
3. تنويع فعلي لمصادر تمويل البنية التحتية بدل الاعتماد على مصدر خليجي أو غربي واحد، حتى لا يتحول "الربط" إلى تبعية جديدة بغطاء اقتصادي.
4. توسيع مسار "الشام الجديد" ليشمل ملفات الربط الكهربائي والهيدروجين الأخضر، بدل أن يبقى مبادرة رمزية محدودة الأثر.
المعادلة النهائية
الأردن لن يستطيع تغيير موقع عاصمته على الخريطة، لكنه يملك القدرة الكاملة على إعادة تسعير قيمته عليها.
الفارق بين دولة تُدار بمنطق "إدارة الأزمات والحصار" ودولة تُدار بمنطق "الفرصة الاستراتيجية" هو فارق إرادة سياسية ومؤسسية قبل أن يكون إمكانات مالية. النافذة مفتوحة لعقد واحد: إما سكك حديد تربط العقبة بدمشق، أو عقد آخر من ردود الفعل.
والسؤال المصيري اليوم: هل يمتلك الأردن الجرأة لاستثمار عشر سنوات قادمة في التخطيط الهيكلي، بدل استنزاف عقد آخر في ردود الفعل؟
سؤال للنقاش: ما الذي يمنع الأردن فعلاً من تسييل موقعه إلى نفوذ: غياب التمويل، ضغط الجغرافيا، أم بطء المؤسسات؟