لم تعد الانتخابات البلدية مجرد محطة اجتماعية لتبادل الوجاهات، ولم تعد ساحة للاستعراض العشائري أو سباقا للمجاملات. الانتخابات البلديه استحقاقا دستوريا يؤسس لمشروع عمل تنموي متكامل، وأهم قرار يمس تفاصيل حياة الناس اليوميه ، ستتخذه المجتمعات المحلية للسنوات الاربع القادمة لارتباطه بنوعية وجودة الخدمات المقدمه لها .
لقد ولى زمن النظرة التقليدية للبلدية كدائرة خدمات روتينيه وظيفتها الإنارة والتعبيد وجمع النفايات، هذا المفهوم انتهى إلى غير رجعه مع إقرار قانون الاداره المحليه الجديد واصبحت البلدية بموجبه وحده تنمويه و محرك اساسي للنمو الاقتصادي ضمن نطاق اختصاصها المكاني ، وهي المسؤولة المباشرة عن جودة الحياة وعن صناعة البيئة الاستثمارية الجاذبة أو الطاردة، فالمدينة التي تدار بعقلية الجباية ستبقى طاردة لأبنائها وللاستثمار، والمدينة التي تدار بعقلية الريادة ستصبح مركزا للإنتاج والفرص.
نحن اليوم لا نحتاج مجلس بلدي يفتح البلديه للمباركات، بل نحتاج مجلسا بلديا يفتح أبواب البلديه للاستثمار والشراكات ، لا نحتاج مجلسا يوزع الوعود، بل من يضع خطة استراتيجية ومخططا شموليا يمتد لعام الفين وثلاثين، يعرف من خلاله كل شارع وحي إلى أين يتجه. البلدية الناجحة لم تعد تقاس بعدد الحاويات، بل تقاس بكفاءة الحوكمة الإدارية وقدرتها على رقمنة خدماتها، من رخصة بناء إلكترونية ونافذة استثمارية واحدة تقضي على البيروقراطية والواسطة، إلى إدارة مالية تقوم على الاستدامة وتنويع الإيرادات بدلا من الاعتماد الكلي على موازنة الوزارة.
البلدية الراشده هي التي تحول ميزتها النسبية إلى ميزة تنافسية حقيقية، فتحول تاريخها إلى مشروع سياحي، وأرضها إلى صناعات تحويلية، وموقعها إلى خدمات لوجستية، وهي التي تفكر باقتصاد دائري يحول النفايات إلى طاقة، والنقل إلى منظومة حضرية ذكية، والمساحات الخضراء إلى استثمار في صحة الإنسان ، وهي التي لا تنتظر الدعم، بل تخلق فرصها بيدها عبر الشراكة الحقيقية مع القطاع الخاص، فتبني أسواقها ومشاريعها بنموذج تشاركي يدر عليها دخلا مستداما.
ومن هنا، فإن المسؤولية تقع اليوم على المجتمعات المحلية نفسها. عليها أن تغير معيار الاختيار، فلا تقدم الأقل كفاءة لأنه الأكثر جاها، بل تقدم الأكفأ والاقدر ، على المجتمعات المحليه أن تدفع بشبابها المؤهل، بأصحاب العقول التي تخطط والسواعد التي تنفذ، بالمهندس والمخطط الحضري والاقتصادي وخبير الرقمنة، بمن يملك رؤية وبرنامجا قابلا للقياس، لا بمن يملك مالا انتخابيا وصورا دعائية.
المدن لا تدار بالعاطفة، المدن تدار بالأرقام والخرائط والاستثمار. فاختاروا من يبني مستقبل أبنائكم، لا من يلتقط صورة معكم.