أمن الخليج العربي ليس جغرافيةً طارئة في حساباتنا، بل هو العصب الحيوي والعمق الاستراتيجي المباشر للأمن القومي الأردني. وما شهدته المنطقة في السادس والسابع من تشرين اول 2026 باستهداف مطاري أبها والملك خالد الدوليين ليس حادثاً أمنياً عابراً، بل تحول نوعي خطير يضرب قواعد الاشتباك الإقليمي ويهدد حرمة الملاحة والمرافق المدنية برمتها.
ومن قلب هذا المنعطف جاء التحرك الأردني الفوري بقيادة جلالة الملك عبدالله الثاني ليُرسي حقيقة ثابتة لا تقبل التأويل: أمن الأردن والسعودية وحدة لا تتجزأ، وحماية استقرار الرياض امتداد مباشر لحماية استقرار عمّان.
يكشف التزامن بين إطلاق الطائرات المسيّرة في الجنوب والصواريخ البالستية نحو عمق الرياض عن استراتيجية عدائية مركبة ذات ثلاثة أبعاد:
🌾 كسر معادلة الردع وإعادة رسم الضغوط: تجاوز استهداف مطار سيادي في العاصمة الأبعاد المادية إلى محاولة رفع الكلفة السياسية والاقتصادية والنفسية، واختبار صلابة خطوط الدفاع، وفرض معادلات ضغط جديدة في ملفات التفاوض الإقليمي العالقة.
🌾 عولمة الأزمة واستهداف قواعد حماية المدنيين: تنوّع جنسيات المتضررين (المغرب، الجزائر، السودان، مصر، باكستان وغيرها) يُخرج الاعتداء من إطار النزاع الإقليمي الضيق ويضعه في مواجهة مباشرة مع المجتمع الدولي والقانون الدولي الإنساني، فيجعل أي صمت دولي كلفة إضافية على الاستقرار العالمي.
🌾 اختبار الدفاعات بتكتيك الإشغال المركب: مسيّرات منخفضة وكثيفة لإشغال الرادارات والاعتراض النقطي، تليها صواريخ باليستية عالية المسار. يستنزف هذا التكتيك الدفاعات التقليدية ويفرض الانتقال إلى دفاع شبكي ذكي يعتمد على أنظمة مكافحة المسيّرات (Counter-UAV) وتكامل شبكات الإنذار المبكر.
ثانياً: القيادة الهاشمية في إدارة الأزمة (أركان التحرك)
لم يكن الموقف الأردني رد فعل بروتوكولياً أو بيان تضامن عابراً، بل فعلاً استراتيجياً استباقياً قام على أربعة أركان متكاملة:
🌾 الركن الأول، الردع السياسي العالي: برقيات التضامن العاجلة من جلالة الملك إلى خادم الحرمين الشريفين وولي العهد، مؤكدةً الدعم الكامل لكل ما تتخذه المملكة لحماية سيادتها وأمن مواطنيها والمقيمين فيها. وضع ذلك عمّان في طليعة محور التضامن العربي الفاعل ووفّر السقف السياسي الأبرز.
🌾 الركن الثاني، التأطير القانوني والسياسي الحازم: ترجمةً للتوجيهات الملكية، أدانت الحكومة الأردنية الهجوم بأشد العبارات، ووصفت استهداف المرافق والأعيان المدنية بأنه انتهاك صارخ للقانون الدولي الإنساني واعتداء على سيادة الدول، فنقلت القضية من دائرة التصعيد العسكري إلى المسؤولية الدولية الشاملة.
🌾 الركن الثالث، الدبلوماسية الوقائية وتفكيك الأزمات: تحرك أردني فوري إقليمياً ودولياً للتحذير من الانزلاق نحو تصعيد شامل. وتلخصت الرسالة في حماية المناطق المدنية والانتقال من "إدارة الأزمات" إلى "معالجة جذورها"، انسجاماً مع ثوابت السياسة الخارجية الهاشمية في خفض التوتر واستدامة الاستقرار.
🌾 الركن الرابع، الجاهزية الميدانية والعملياتية : يستند الموقف الملكي إلى رصيد ميداني؛
فخبرة القوات المسلحة الأردنية - الجيش العربي في التصدي المباشر للمسيّرات والصواريخ العابرة للحدود تمنح المبادرة مصداقية عملانية عالية، وتجعل الدعوة إلى منظومة دفاع عربية مشتركة متعددة الطبقات طرحاً واقعياً قابلاً للتطبيق.
ثالثاً: دواعي الاعتبار الأردني (لماذا هو تهديد مباشر للأمن القومي؟)
🌾 على الصعيد الأمني والعسكري: تؤكد الأحداث مصداقية الرؤية الملكية الداعية إلى منظومة دفاع جوي إقليمي مشترك متعددة الطبقات، قادرة على الكشف المبكر والاعتراض وإدارة مخاطر الشظايا، وتفتح الباب لتعزيز التعاون العسكري والأمني الأردني - الخليجي في مواجهة الحروب الهجينة والتهديدات غير التقليدية.
🌾 على الصعيد الاقتصادي والاجتماعي: السعودية هي الشريك الاقتصادي الأول للأردن والمستوعب الأكبر للكفاءات والعمالة الأردنية، وأي اضطراب في نشاطها الاقتصادي أو ملاحتها ينعكس مباشرة على حوالات المغتربين والتجارة البينية والاستقرار المعيشي لآلاف الأسر الأردنية.
🌾 على الصعيد اللوجستي والمعيشي: يرتبط الأمن الاقتصادي الأردني ارتباطاً وثيقاً بميناء العقبة كشريان حيوي، وأي توتر في الممرات المائية أو البحر الأحمر يرفع كلف التأمين والشحن البحري، فتنعكس مباشرة على أسعار السلع الأساسية في السوق المحلي.
رابعاً: مسارات المراقبة
1. المدى القصير
🌾 طبيعة وحجم الرد السعودي: هل يبقى في إطار الردع المعاكس الموجّه لمصادر التهديد، أم يتطور إلى حملات واسعة تعيد رسم جغرافية الصراع وقواعده؟
🌾 موقف مجلس الأمن والدول الكبرى: هل يتجاوز بيانات الإدانة النمطية إلى آليات حماية وتأمين ملزمة للملاحة الجوية والمدنية والمطارات؟
1. المدى المتوسط والطويل
🌾 صمود مسارات التهدئة: قدرة القنوات التفاوضية والدبلوماسية الحالية على استيعاب الصدمات الأمنية دون انهيار شامل.
🌾 سباق التسلح الدفاعي وتكامل الأنظمة: تسارع الاستثمار الإقليمي في أنظمة مكافحة الطائرات المسيّرة (C-UAV) وتكامل شبكات الإنذار المبكر، وهو مجال يمتلك فيه الأردن ميزة نسبية وفرصة ليكون شريكاً محورياً في بناء المنظومة.
📌 خاتمة: من التضامن الظرفي إلى استراتيجية ردع عربية متكاملة
الاعتداء على مطاري أبها والملك خالد الدوليين جرس إنذار استراتيجي يثبت أن أمن الإقليم كلٌّ لا يتجزأ. والتحرك الملكي السريع والموقف الحكومي الصلب ليسا تعبيراً عن الأخوة والمصير المشترك فحسب، بل تجسيد لوعي استراتيجي يدرك أن حماية أمن الرياض ومطاراتها هي حماية مباشرة لعمّان واستقرارها.
والمطلوب اليوم البناء على هذه الجهود للانتقال من "التضامن الظرفي عند وقوع الأزمات" إلى "الاستراتيجية العربية المتكاملة"، التي تجمع بين الردع التكنولوجي والميداني المتقدم والجهد السياسي الحاسم، بما يصون المرافق المدنية ويحمي استقرار المنطقة ومستقبل شعوبها.