ثمة ظاهرة تستحق التوقف عندها، لا لأنها جديدة، بل لأنها تتكرر بصورة تكاد تجعل منها موسماً له موعده المعروف.
ما إن تقترب حركة تغييرات، أو يلوح في الأفق تعديلا وزاريا، أو يشغر موقع إداري، حتى تبدأ بعض الأقلام والشخوص بالظهور من جديد، وتعود بعض الوجوه إلى الواجهة، وتُفتح دفاتر قديمة من الإنجازات، وتنتشر الصور والعبارات التي تتغنى بالوطن وقيادته، وكأن مشاعر الانتماء والولاء كانت في إجازة طويلة ثم عادت فجأة مع اقتراب موعد التعيينات والتغييرات!
وتبدأ عبارات من قبيل: الوطن، القيادة، الوفاء، المسيرة، الإنجاز، خدمة الدولة... وكأن المطلوب ليس التعبير عن حب الوطن، وإنما تذكير أصحاب القرار بأن صاحب المقال ما زال موجوداً، وأن اسمه لم يسقط من دفتر الحسابات.
وهنا لا بد من التمييز بين أمرين:
هناك من يكتب لأن الوطن يسكنه، وهناك من يكتب لأن موقعاً شاغراً أيقظ فيه حب الوطن اذا كان ذاك الحب موجودا !
والفرق بين الاثنين لا يحتاج إلى كثير من الذكاء لاكتشافه؛ فالزمن كفيل بكشف النوايا، والمواقف أصدق من العبارات، والعمل أكثر بلاغة من المقالات.
فالإنسان الذي خدم وطنه بإخلاص لا يحتاج في كل مرحلة إلى إعادة تقديم نفسه للجمهور، ولا إلى نشر أرشيفه الوظيفي، ولا إلى تذكير الناس بالمواقع التي شغلها. إن كان قد ترك أثراً حقيقياً، فذلك الأثر موجود في المؤسسات وفي ذاكرة الناس، وليس بحاجة إلى حملة إعلامية تعيد اكتشافه.
ومن المفارقات أن بعض الذين يرفعون شعار الولاء عند اقتراب التغييرات، قد ينسون أن الولاء الحقيقي يُختبر في اللحظة التي لا يكون فيها للإنسان مقعد أو لقب أو موقع.
فالمنصب ليس شهادة وطنية، والإعفاء ليس حكماً على الوطنية، والتعيين ليس مكافأة على الانتماء.
نحن جميعاً عابرون في مواقعنا، والوطن وحده هو المقيم.
وما أجمل أن يفهم المسؤول السابق أن خروجه من موقعه لا يعني خروجه من وطنه، وأن قيمة الإنسان لا تتوقف عند باب مكتبه، وأن الوطن الذي خدمه وهو مسؤول يستحق منه الوفاء نفسه وهو مواطن عادي.
أما أن يتحول حب الوطن إلى لغة موسمية، تظهر عند الحاجة وتختفي بعد انقضاء الغاية، فهنا يصبح من المشروع أن نتساءل: هل نحن أمام انتماء حقيقي، أم أمام محاولة لاستعادة الحضور؟
ولعل من أصدق ما يقال في هذا المقام:
«إذا أنت لم تزرع وأبصرت حاصداً
ندمت على التفريط في زمن البذر»
فالإنجاز لا يُصنع عندما يقترب موعد الاختيار؛ الإنجاز الحقيقي يُبنى طوال سنوات الخدمة، ويظل شاهداً على صاحبه حتى بعد مغادرته الموقع.
والأكثر غرابة أن بعض «المواسم» لا تكتفي بالمقالات، بل تستعيد الصور القديمة مع المسؤولين، وتُبرز اللقاءات والاجتماعات، وكأن الصورة أصبحت وثيقة إثبات للولاء!
وهنا نقول بكل هدوء:
الصورة لا تصنع إنجازاً، والظهور بجانب المسؤول لا يصنع وطنية، والمقال لا يمنح صاحبه صك الانتماء.
إن الوطن لا يحتاج إلى من يثبت له حبه كلما أراد شيئاً منه.
الوطن يحتاج إلى من يعمل بصمت، ويؤدي واجبه بأمانة، ويحترم القانون، ويحفظ مؤسسات الدولة، ويقبل المسؤولية عندما تُسند إليه، ويقبل مغادرتها عندما تنتهي مهمته، دون أن يتحول بعد ذلك إلى خصم لمن خلفه أو طالب دائم بإعادة تدوير اسمه.
فالكبار لا يطاردون المواقع، ولا يجعلون من الوطن سلماً للصعود.
ولعل أبلغ ما يمكن أن نختم به:
لا تجعلوا للولاء موسماً...
فالأوطان لا تحب أبناءها في مواسم، ولا ينبغي لأبنائها أن يحبوها في مواسم.
فالمنصب عابر، والصورة عابرة، والمقال عابر، والاسم مهما علا عابر...