تستند التحولات الاقتصادية المعاصرة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا إلى إعادة تعيين متقدمة للمفاهيم الاستثمارية والجيواقتصادية التقليدية، حيث يبرز الأردن كنموذج فريد يجمع بين الثبات الهيكلي الكلي والمرونة التنافسية العالية في بيئة إقليمية اتسمت بالتقلبات الشديدة.
وتعكس الأرقام والبيانات الاقتصادية لعام 2026 نجاح الاقتصاد الأردني في تحقيق ناتج محلي إجمالي يتجاوز حاجز 52 مليار دولار أمريكي، مدعوماً بمعدلات نمو مستقرة تتراوح بين 2.3% و2.7%، ونظام مصرفي متطور يخضع لرقابة حثيثة من البنك المركزي الأردني وفق معايير "بازل 3" الدولية. كما تحتفظ المملكة باحتياطيات مرتفعة من العملات الأجنبية تتجاوز 18 مليار دولار، ما يشكل غطاءً متيناً لاستقرار الدينار الأردني المربوط رسمياً بالدولار الأمريكي بسعر ثابت (0.709 دينار/دولار)، ويحقق أدنى درجات مخاطر سعر الصرف لرؤوس الأموال الأجنبية الوافدة.
وفي إطار الرؤية الملكية السامية للتحديث الاقتصادي، انطلق مؤتمر الاستثمار الأردني الأوروبي في البحر الميت تحت رعاية جلالة الملك عبدالله الثاني وبحضور رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين؛ ليكشف النقاب عن استراتيجية شمولية تطرح حزمة استثمارية ضخمة تضم أكثر من 40 فرصة نوعية بقيمة تتجاوز 15 مليار دولار. وتأتي هذه الفرص مدعومة بمظلة تمويلية واستثمارية أوروبية تصل إلى 3 مليارات يورو للفترة من 2025 إلى 2027، تتضمن 1.4 مليار يورو كضخ استثماري إضافي.
وتستند هذه الشراكة الواعدة إلى بيئة تشريعية جاذبة أرسى معالمها قانون البيئة الاستثمارية رقم 21 لسنة 2022، الذي أحدث نقلة نوعية عبر إقرار المساواة الكاملة بين المستثمر الأجنبي والمحلي، وتوفير حوافز ضريبية تصل لخصومات بنسبة 50% وإعفاءات ضريبية وجمركية واسعة في المناطق التنموية، مع ضمان الحرية المطلقة لتدفق رؤوس الأموال والأرباح للخارج دون أي قيود تنظيمية.
ومن خلال موقعه الاستراتيجي المحوري والمطل على الأسواق الإقليمية ذات القدرة الاستهلاكية العالية، وبفضل الاتفاقيات التجارية الحرة العالمية، يتحول الأردن إلى منصة رئيسية للشركات الأوروبية والعالمية الكبرى—مثل مايكروسوفت، وأمازون، وشركة أيه إي إس—لتوسيع أعمالها نحو الأسواق المجاورة. وتركز هذه الشراكة على خمسة قطاعات رئيسية واعدة:
التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي
الهيدروجين الأخضر والطاقة النظيفة
الصناعات ذات القيمة العالية
الخدمات اللوجستية والنقل
الأمن المائي والاستدامة
فضلاً عن ذلك، يمتلك الأردن تنافسية استثنائية في مجالات الاستثمار الصحي والاستشفائي والسياحي، مدعوماً بمناطق سياحية وتاريخية فريدة عالمياً كالبترا وجرش والبحر الميت ووادي رم، إضافة إلى كادر وثروة من رأس المال البشري المؤهل كركيزة أساسية لبناء اقتصاد معرفي ومستدام.
إن هذه الرؤية الملكية الثاقبة للشراكة الأردنية الأوروبية تعزز من مكانة المملكة كمنصة استثمارية إقليمية متكاملة، تتجاوز تحديات المرحلة وتفتح آفاقاً جديدة نحو التكامل الاقتصادي الشامل والنمو المستدام.