يقع الأردن جغرافياً بين مسارات الصواريخ والمسيّرات الإيرانية والحشود الأمريكية والإسرائيلية. موقفه المعلن هو «الدفاع الحازم والحياد الواعي»: لا يسمح باستخدام أرضه أو أجوائه منطلقاً لأي هجوم، ويتصدى لأي مقذوف يخترق أجواءه حمايةً لسكانه. وكلفة هذا الموقف أمنية واقتصادية وسياسية، يتحملها الأردن دون أن يملك مفاتيح التصعيد.
ثانياً: البيئة الاستراتيجية
• الحشود الأمريكية: حاملات الطائرات ووحدات المشاة البحرية ترفع الردع، لكنها تغذي ديناميكية الفعل ورد الفعل، فتتعامل طهران معها كتهديد مباشر وترفع جاهزيتها.
• الموقع الأردني: الأجواء الأردنية ممر طبيعي لأي تبادل للضربات، فيواجه الأردن خطر الاستهداف المباشر وخطر سقوط الشظايا والمقذوفات المعطوبة فوق مناطق مأهولة.
• المعضلة: عليه أن يثبت لطهران أنه ليس طرفاً، ولحلفائه أنه شريك موثوق، ولشعبه أن قراره سيادي.
ثالثاً: التحليل متعدد الأبعاد
1. البعد العسكري والأمني
• إجهاد المنظومات: تكرار الاعتراضات يضغط على الدفاع الجوي تشغيلياً ولوجستياً (صيانة، تبديل أطقم، مخزون ذخائر).
• معادلة الكلفة: اعتراض مسيّرة رخيصة بصاروخ باهظ معادلة تستنزف المخزون. الحل دفاع متعدد الطبقات (صواريخ، مدفعية مضادة، حرب إلكترونية، مقاتلات) مع إنذار مبكر وتبادل معلومات إقليمي.
• السقوط العشوائي: الخطر الأقل ظهوراً هو الفشل التقني للمقذوفات، ويستدعي جاهزية الدفاع المدني من صفارات ورسائل تنبيه وملاجئ وفرق إزالة الحطام والذخائر غير المنفجرة.
• قواعد الاشتباك: الاعتراض فوق المناطق المأهولة يحتاج موازنة دقيقة بين منع الضرر الأكبر وحجم الحطام الناتج.
• الوجود الأجنبي: نفي وجود قواعد قتالية أجنبية يوفر غطاءً قانونياً وسياسياً، لكنه لا يمنع الخصوم من توظيف الوجود التدريبي والتعاوني في خطابهم.
2. البعد القانوني
• حق الدفاع المشروع عن السيادة والأجواء ثابت في القانون الدولي.
• الحياد هنا ليس كلاسيكياً، بل عدم انخراط في الهجوم مع بقاء التحالفات الدفاعية، وتمييز المفهومين مهم في الخطاب الرسمي.
• اتفاقيات التعاون الدفاعي مع واشنطن تحتاج توضيحاً علنياً لحدودها، لأن الغموض يغذي الاتهام من الخارج والتشكيك من الداخل.
3. البعد السياسي والدبلوماسي
• استهداف الأجواء الأردنية يحمل رسالة ضغط على عمّان، وإنذاراً موجهاً لإسرائيل.
• نجح الأردن في ترسيخ سردية «لسنا ساحة حرب لأحد»، وهي تعزز شرعيته الدولية وتحتاج اتساقاً بين القول والممارسة.
• في العلاقة مع إسرائيل، تتوازن ضرورات التنسيق الأمني مع ضغط شارع يرفض أي تعاون يُفهم كانحياز.
4. البعد الداخلي والمجتمعي
• الرأي العام شديد الارتباط بالقضية الفلسطينية وغزة، وأي تصعيد إقليمي يعيد تحريك الشارع.
• الجبهة الداخلية تحتاج تحصيناً ضد الشائعات والتحريض واستغلال التوتر.
• المطلوب رسالة إعلامية رسمية موحدة وسريعة تسبق الشائعات.
5. التهديدات الحدودية
• الميليشيات المرتبطة بإيران في العراق وسوريا قد تشكل تهديداً إضافياً.
• الاستثمار والسياحة: يتأثران بتصورات المخاطر والأخبار أكثر من الوقائع.
• الطاقة والإمداد: كلفة تأمين المنشآت الحيوية وسلاسل الإمداد، وارتباط الغاز بالمنطقة.
• العقبة والبحر الأحمر: اضطراب الملاحة يضرب الميناء الوحيد للمملكة.
• التمويل الخارجي: المساعدات والحوالات وبرنامج صندوق النقد عوامل استقرار قد تتأثر بالتوتر الطويل.
رابعاً: الدور الملكي
يُقيَّم دور جلالة الملك عبدالله الثاني بمخرجاته:
• الاتصالات الدولية: إيصال رسالة أن أمن المملكة خط أحمر وأنها ليست صندوق رسائل.
• الموقف المعلن: رفض استخدام الأراضي والأجواء الأردنية لأي هجوم، وبذلك يُحفظ استقلال القرار السيادي.
• التحذير من توسع الحرب: حشد موقف دولي يرى في اتساع الصراع تهديداً للسلم العالمي.
• دعم القوات المسلحة: الزيارات الميدانية ترفع المعنويات وتؤكد الجاهزية.
خامساً: السيناريوهات
التصعيد المحدود (الأرجح): استمرار الاعتراضات الدورية وضبط النفس الحذر، مع بقاء الجيش في تأهب مستمر وضغوط اقتصادية ونفسية متقطعة. من مؤشراته: بقاء الحشود بحجمها، وتصريحات حذرة، واستمرار قنوات الوساطة.
التصعيد الواسع: استئناف ضربات مكثفة وردود إقليمية، ما يعرض الأجواء الأردنية لموجات ضغط دفاعي غير مسبوقة. من مؤشراته: تعزيزات هجومية جديدة، وانهيار قنوات التفاوض، ولغة تهديد مباشرة، وارتفاع وتيرة الاعتراضات.
الانفراج التفاوضي: تفاهمات دبلوماسية تخفف التوتر تدريجياً تحت ضغط الرغبة الدولية في تجنب الانهيار الشامل. من مؤشراته: اجتماعات وساطة معلنة، وخفض الحشود، وتهدئة الخطاب.
ويتغير ترجيح هذه السيناريوهات بتغير المؤشرات، فتجب متابعتها دورياً.
سادساً: التوصيات
1. الدفاع المدني: تحديث منظومة الإنذار والتوعية، وتدريب المجتمع دورياً على الاستجابة.
2. القدرات الدفاعية: تعزيز الطبقات منخفضة الكلفة ضد المسيّرات، وتنويع مصادر الذخائر والتزود.
3. الطاقة والاقتصاد: تنويع مصادر الطاقة، وخطط طوارئ لسلاسل الإمداد والعقبة.
4. الإعلام: رسالة رسمية موحدة وسريعة وشفافة حول الحوادث والاعتراضات.
5. الدبلوماسية: إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة مع طهران وواشنطن معاً، وتوضيح حدود التعاون الدفاعي.
6. الحدود: رفع الجاهزية ضد التسلل والتهريب بالتوازي مع التهديد الجوي.
7. المتابعة: لوحة مؤشرات دورية تتبع الحشود والتصريحات والاعتراضات والمؤشرات الاقتصادية.
خاتمة
لا يملك الأردن القدرة على منع التصعيد الإقليمي أو كبح الحشود الأجنبية، لكنه يملك زمام حماية سيادته وصياغة موقفه. وستُختبر صلابة هذا الموقف بقدرته على الجمع بين الردع الفعلي والوضوح السياسي والتماسك الداخلي والصمود الاقتصادي.