بعد ثمانين (80) عاماً من نهاية الحرب العالمية الثانية تعود القارة الأوروبية لتقف على شفير الانقسام والمواجهة المباشرة مع روسيا وفي وسط هذا المشهد الملبد بغيوم التصعيد تظهر بلغاريا كواحدة من أكثر الدول تعقيداً وفرادة فهي البلد الذي يتقاطع فيه النفوذ الغربي السياسي والمؤسساتي مع وجدان شعب أجمع قاطبة على رفض الانخراط في أتون الحرب الروسية الأوكرانية التي خلفت أزمات عارمة واعتبر أن الحوار والهدوء هما السبيل الوحيد للسلام تخضع صوفيا لضغوط متزايدة من قِبل الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي للالتزام التام بالخط السياسي والعسكري الموحد ضد موسكو وشملت هذه الضغوط قطع الإمدادات الروسية من الغاز وفرض التزامات متصاعدة برفع الإنفاق العسكري حيث قفزت الميزانية الدفاعية البلغارية لتتجاوز نسبة اثنين فاصلة اثنين بالمئة (2.2%) من الناتج المحلي الإجمالي بقيمة تتجاوز ثلاثة فاصلة اثنين مليار (3.200.000.000) دولار متجاوزة السقف المحدد من حلف الناتو ومترجمة في صفقات تسليح مكلفة لشراء ست عشرة (16) مقاتلة إف ستة عشر (F-16 Block 70) الحديثة وتجهيز البحر الأسود وتحديث ميناءي فارنا وبورغاس كمنطقتي تحشد استراتيجي وقد نتج عن هذه الحرب تداعيات واختناقات اقتصادية واجتماعية غير مسبوقة على دول منطقة البلقان قاطبة وعلى بلغاريا بشكل خاص التي وجد شعبها المسالم نفسه يتحمل فاتورة باهظة جراء تدفق عشرات الآلاف من أزمات اللجوء الأوكراني وتكاليف إيوائهم وإعانة الرعاية الصحية والاجتماعية فضلاً عن التزامات التمويل وشحنات الدعم العسكري والأسلحة والذخائر التي أرهقت كاهل الميزانية العامة للدولة غير أن موقع صوفيا ينطوي على هشاشة اقتصادية وأمنية تجعل الانزلاق إلى صدام مفتوح أمراً في غاية الخطورة إذ تعتمد بنيتها التحتية ومحطاتها الحرارية ومفاعل كوزلودوي النووي تاريخياً على الموارد والتقنيات الروسية مما يجعل الاستجابة لإملاءات التصعيد الغربي بمثابة مجازفة عالية التكلفة على المستوى الداخلي ولا يقتصر التباين في بلغاريا على المستوى الشعبي مقابل القرار الحكومي فحسب بل يمتد إلى عمق المؤسسات السياسية والبرلمان والمؤسسة الرئاسية حيث يبرز الموقف الحذر والرافض للشحن العسكري والمطالب بالدبلوماسية والتهدئة وتغليب الخيار السياسي الذي تقوده رئيسة الجمهورية السيدة إيليانا يوتوفا التي تولت الرئاسة وتخوض استحقاقاً رئاسياً مفصلياً في الخامس والعشرين (25) من أكتوبر (10) كمستقلة مدعومة من القوى الوطنية والاشتراكية محذرة من مغبة استنزاف البلقان في حرب لا تنتهي إلى جانب الرؤية العسكرية والأمنية الحصيفة للداهية السياسية والجنرال الطيار العسكري رومن راديف رئيس الوزراء وقائد حركة بلغاريا التقدمية الحاكمة والذي استطاع عبر مناوراته السياسية الدقيقة كبح جماح التورط المباشر في الصراع موازناً بين التزامات صوفيا الأطلسية والحفاظ على الخطوط الحمراء للأمن القومي البلغاري مانعاً إرسال قوات بلغارية إلى ساحة المعركة ومؤكداً أن الحل العسكري الشامل غير واقعي وأن حماية القدرة الشرائية للمواطن البلغاري أولى من التورط في حرب استنزاف وفي وقت تخوض فيه المؤسسة الرئاسية هذه الانتخابات الرئاسية الحاسمة وسط تجاذبات وانقسامات حادة داخل البرلمان البلغاري بين أحزاب التكتل الغربي المتشددة والقوى الوطنية الراعية للحياد يظهر الشارع والنخب البلغارية عدم رضا واسعاً وعارماً من محاولات جر بلادهم إلى أتون هذه الحرب حيث تشير استطلاعات الرأي إلى أن أكثر من ثمانية وستين بالمئة (68%) من المواطنين يرفضون تقديم المساعدات العسكرية المباشرة أو تحمل تبعات التضخم واقتصادات الحرب التي أرهقت كاهل المواطن متسلحين بروابطهم التاريخية والثقافية والروحية السلافية والأرثوذكسية المشتركة التي تجعل العاطفة الشعبية البلغارية تميل للوساطة وتجنب الخوض في صراع يمس هذا الإرث الروحي والتاريخي معتبرين أن شبه جزيرة البلقان والبحر الأسود يجب أن يبقيا مساحة للاستقرار والتنمية والدبلوماسية لا ساحة مواجهة لتصفية الحسابات بين القوى العظمى.