هناك فرقٌ بين من يختلف في قراءة التاريخ، وبين من يتجرأ على تغيير مساره، وتشويه جغرافيته، واقتطاع رجاله من سياقه، ثم إعادة تركيب الماضي على مقاس الرواية التي يريدها.
الأول يختلف في الرأي، أما الثاني فيعبث بالأمانة.
ولذلك أقولها اليوم، لا مجاملة فيها ولا مواربة:
لن نتسامح مع العبث بالتاريخ، ولن نقبل أن تُطمس أسماء رجالٍ صنعوا أحداثه، أو تُسرق أدوارهم، أو تُنقل الوقائع من مواضعها، أو تُشوَّه الجغرافيا حتى تخدم روايةً مستحدثة.
وأقولها بوضوح أكبر، لأن الأمر تجاوز مجرد اختلاف في الروايات؛ حين يصل العبث إلى دور جدي الشيخ درداح البخيت الفايز، وإلى تاريخ الرجال الذين وقفوا في الميدان وصنعوا أحداثًا وجغرافيا وذاكرةً بقي أثرها بعد رحيلهم، فإن الصمت لم يعد حيادًا، والمجاملة لم تعد أدبًا، والتهاون لم يعد خيارًا.
أنا فواز الفايز ابودرداح، حفيد درداح البخيت الفايز، وراعي رودة، أقولها صريحة: لن أتهاون في المساس بتاريخ الأحرار الذين أنتمي إليهم، ولن أقف متفرجًا على من يحاول أن يضع أسماءً على صفحات لم تكتبها أفعالهم، أو يمحو أسماء رجالٍ كتبت أفعالهم تلك الصفحات.
لسنا طلاب خصومة، ولسنا أسرى رواية عائلية؛ نحن نطلب شيئًا واحدًا: الحقيقة كما وقعت.
فإن كان هناك من يملك وثيقة فليُخرجها، ومن يملك شاهدًا فليقدمه، ومن يملك رواية فليضعها أمام الناس كاملةً، لا مبتورةً، ولا منتقاةً، ولا مصممةً لخدمة غرضٍ مسبق.
أما أن يأتي المتشدقون بعد عقود، فيبدّلوا المواقع، ويخلطوا الأسماء، ويغيّروا مسار الأحداث، ويشوّهوا الجغرافيا، ثم يطلبوا من الناس أن يصدقوا لأن الصوت مرتفع أو لأن الكلام تكرر؛ فهذا لن يمر.
التاريخ ليس ملكًا لمن يرفع صوته أكثر.
والجغرافيا ليست ورقةً تُحرّك على الطاولة.
وأسماء الرجال ليست حروفًا تُمحى بقلم.
ومآثر الأجداد ليست غنيمةً لمن جاء متأخرًا يريد أن يركب على ظهر الماضي ليصنع لنفسه مجدًا في الحاضر.
أنا حفيد درداح… وأعرف معنى الأمانة
حين أتكلم عن تاريخ جدي درداح البخيت الفايز، فأنا لا أبحث عن لقبٍ أعلقه على صدري، ولا عن مجدٍ أستعيره من رجلٍ رحل؛ بل أدافع عن أمانةٍ ورثناها، وعن اسمٍ لا يجوز أن يُقتلع من سياقه، وعن تاريخٍ يجب أن يصل إلى أبنائنا كما كان، لا كما يشتهي البعض أن يكون.
أنا راعي رودة، وهذه التسمية عندي ليست زينةً في الكلام؛ إنها مسؤولية.
ومن حمل إرث الرجال، عليه أن يكون أمينًا على سيرتهم.
ولهذا أقول للعابثين بالتاريخ:
لا تختبروا صبر الناس بالعبث بأسماء رجالهم.
ولا تختبروا وعي الأجيال بتغيير الوقائع.
ولا تظنوا أن كثرة الترديد تجعل الرواية حقيقة.
ولا تعتقدوا أن صفحةً منشورة تمحو قرنًا من الشواهد.
فالزمن ليس أعمى، والوثائق لا تنام، والذاكرة لا تموت ما دام فيها رجالٌ يعرفون ماذا حدث ومن صنعه.
إلى شباب الأردن الأحرار
أدعو كل شاب أردني حر، وكل من يؤمن بأن وطنه لا يُبنى على تزوير ماضيه، إلى أن يقف وقفة وعي ومسؤولية أمام العبث بالتاريخ.
لا أطلب من أحد أن يخاصم إنسانًا، ولا أن يسيء إلى أحد، ولا أن يحمل حقدًا على أحد.
بل أطلب شيئًا أشرف وأقوى:
اقرؤوا.
دققوا.
اسألوا.
فتشوا عن الوثيقة.
قارنوا الروايات.
لا تسلموا عقولكم لمن يملك المنبر فقط.
فالشباب الذين لا يعرفون تاريخهم يمكن أن تُسرق ذاكرتهم أمام أعينهم، أما الشباب الذين يعرفون تاريخهم ويمتلكون الوثيقة، فلا يستطيع أحد أن يبيعهم الوهم في سوق الكلام.
وإلى كل صخري
أستنهض همم كل صخري غيور على إرث آبائه وأجداده:
احفظوا تاريخكم، وثقوا رواياتكم، واجمعوا وثائقكم، واحفظوا أسماء رجالكم ومواقع أحداثكم، ولا تسمحوا أن تصبح الذاكرة بلا أصحاب.
لا تجعلوا خصومات اليوم تكتب تاريخ الأمس.
ولا تسمحوا لمن جاء بعد الحدث أن يصبح شاهدًا عليه أكثر من الذين صنعوه.
ولا تسمحوا أن يتحول النسب إلى وسيلة لاحتكار التاريخ، ولا أن تتحول الشهرة إلى بديل عن الوثيقة.
المجد ليس لمن ادعاه، بل لمن استحقه.
والتاريخ ليس لمن كتبه فقط، بل لمن تثبته الوقائع.
والأصل لا يحتاج إلى صراخ، لأن له جذورًا؛ أما الدخيل فيحتاج إلى الضجيج لأنه لا يملك ما يكفي من الشواهد.
لن نسمح بتبديل الأدوار
لقد آن الأوان أن نقولها بلا تردد:
من صنع الحدث له حق أن يُذكر.
ومن وقف في الميدان له حق أن يُنصف.
ومن حمل راية قومه لا يجوز أن تُنسب رايته إلى غيره.
ومن حفظ الأرض والذاكرة لا يجوز أن يأتي من بعده ليعيد رسم الخريطة على هواه.
لا أحد يملك حق سرقة موقع رجلٍ من التاريخ، ولا حق إسقاط اسمه لأن روايةً جديدة لم تعد تحتمله.
والذين يتجرؤون اليوم على حذف الرجال من صفحات التاريخ يجب أن يعرفوا أن لكل حذفٍ شاهدًا، ولكل تزويرٍ قرينة، ولكل روايةٍ ناقصة سؤالًا سيأتي يومًا من يطرحه.
فلا تغتروا بطول الصمت.
الصمت ليس موافقة.
والهدوء ليس عجزًا.
والتأخر في الرد ليس تنازلًا.
أحيانًا يصمت أصحاب الحق لأنهم يجمعون الوثيقة، ويتركون الأيام تقول كلمتها.
لا تسرقوا التاريخ ثم تطلبوا منا التصفيق
نحن لا نطلب من أحد أن يمنحنا فضلًا ليس لنا.
بل نقولها للجميع:
خذوا منا ما تثبته الوثيقة، واتركوا لنا ما تثبته الوثيقة.
إن كان عندكم دليلٌ فهاتوه.
وإن كان عندكم اعتراضٌ فناقشوه.
وإن كانت عندكم روايةٌ مختلفة فاعرضوها.
أما أن يُعاد تشكيل التاريخ بالحكايات المتناقلة، وبالتكرار، وبالمنابر، وبالادعاءات، ثم يُطلب منا السكوت؛ فهذا زمن انتهى.