تركناهم في كلِّ مضربٍ يهيمون، وفي كلِّ مجلسٍ يتكلمون، وفي كلِّ روايةٍ يضيفون ويحذفون؛ حتى غدا بعضهم مؤرخًا بلا وثيقة، ونسّابةً بلا نسب، وراويًا بلا رواية، وفارسًا يمتطي جواد التاريخ وهو لا يعرف أين وُضع سرجه.
تكلموا بألسنة الغائبين، وتقارعوا على عتبات البيوت: من يدخل أولًا؟ ومن يجلس أولًا؟ ومن يُقدَّم ومن يُؤخَّر؟ عمرو أم عميرة؟ اسمٌ يُدفع إلى المقدمة، واسمٌ يُسحب إلى المؤخرة، وكأن التاريخ بابٌ بلا مفتاح، والأنساب سوقٌ بلا ميزان.
يا هؤلاء، إن التاريخ ليس حكايةً تُروى على الهوى، ولا نسبًا يُضاف بالهوى، ولا مجدًا يُستعار ثم يُنسب إلى صاحبه.
التاريخ أمانة، والنسب شهادة، والموروث وديعة؛ ومن خان الأمانة أضاع المكانة.
لقد سرقوا من تراثنا ملامحه، وشوّهوا من عاداتنا معالمه، وأضاعوا من حقوق الرجال حقائقها؛ فاختلط الأصل بالدخيل، والصحيح بالتحريف، والرواية بالزيادة، حتى صار بعض الناس يصدق الكذبة لأنها تكررت، ثم يكررها لأنه صدقها!
وهنا تكمن الكارثة:
كذبةٌ تُروى، ثم تُحكى، ثم تُوثّق، ثم تصبح عند أصحابها حقيقةً لا تقبل النقاش.
وما أكثر ما يُفسد التاريخَ ليس الجهل وحده، بل الجهل حين يتزيّن بثوب المعرفة، والوهم حين يتكلم بلسان اليقين.
إن من أعجب ما رأينا أن قومًا يريدون أن يرثوا المجد بلا مشقة، ويقطفوا الثمر بلا شجرة، ويجلسوا في صدر التاريخ بلا أن يكون لهم فيه صدرٌ ولا سطر.
يريدون مجدًا بلا ماضٍ، واسمًا بلا رسم، وفخرًا بلا أثر، وروايةً بلا مصدر.
يركبون خيول التاريخ بلا سروجها، ويمسكون لجام الرواية بلا معرفةٍ بمسالكها؛ فإذا تعثرت بهم الحقيقة قالوا: نحن فرسانها، وإذا اعترضتهم الوثيقة قالوا: نحن أهلها، وإذا سُئلوا عن الدليل قالوا: هكذا وجدنا الآباء!
وهل كل ما وجده الآباء يُقبل؟
أم أن الآباء أنفسهم كانوا يفرقون بين الرواية والدراية، وبين الخبر والأثر، وبين ما يُحكى وما يُثبت؟
إن احترام الماضي لا يكون بتقديس كل ما يُقال عنه، بل بصيانته من العبث.
نحفظ الرواية، لكننا لا نعبد الرواية. نكرم الموروث، لكننا لا نُزوّر الموروث. نفتخر بالأصل، لكننا لا نصنع أصلًا من الوهم.
والعجيب أن بعضهم كلما ضاقت به الحجة، اتسعت عنده الرواية؛ وكلما قلّ الدليل، كثر التهليل؛ وكلما عجز عن إثبات الماضي، بالغ في وصفه.
وهذه قاعدة لا تخطئ:
من يملك التاريخ لا يحتاج إلى اختراعه، ومن يملك النسب لا يحتاج إلى تزويقه، ومن يملك المجد لا يحتاج إلى استعطاف الناس ليصدقوه.
فالمجد الحقيقي لا يرفع صوته؛ يرفع صاحبه.
والنسب الصحيح لا يطلب شهادة من كل عابر سبيل؛ تشهد له الأيام قبل الألسن.
والتراث الأصيل لا يحتاج إلى رتوش؛ يكفيه أن يبقى أصيلًا.
أما أن يتحول التاريخ إلى ميدانٍ للمزايدة، والتراث إلى مادةٍ للسرقة، والعادات إلى سلعةٍ للتسويق، فذلك ليس فخرًا بالماضي، بل اعتداءٌ عليه.
لقد علّمنا الأجداد أن الحق حق ولو قلّ أصحابه، والباطل باطل ولو كثر أتباعه؛ وأن الرجال تُعرف بالمواقف لا بالمسميات، وبالأفعال لا بالأقوال، وبالآثار لا بالأخبار.
فلا تجعلوا كثرة الترديد دليلًا على صحة القول؛ فالصدى يكرر الصوت، لكنه لا يصنع الحقيقة.
ولا تجعلوا كثرة الأسماء دليلًا على كثرة الرجال؛ فالسجل قد يمتلئ بالأسماء، بينما الميدان لا يعرف إلا أصحاب المواقف.
إننا لا نخشى من يختلف معنا في رواية، ولا نخاصم من يسأل عن حقيقة، ولا نضيق بمن يطلب الدليل؛ بل نخشى من يريد أن يجعل الوهم تاريخًا، والتاريخ ملكيةً خاصة، والذاكرة حقلًا مباحًا لكل من أراد أن يزرع فيه ما يشاء.
فالتاريخ ليس غنيمةً لمن سبق إلى روايته، ولا الموروث ملكًا لمن أكثر من الحديث عنه.
ومن أراد أن يدخل بيت التاريخ، فليدخل من بابه؛
بوثيقةٍ لا بدعوى، وبحجةٍ لا بحكاية، وبأمانةٍ لا بخيانة.
أما ركوب الخيل بلا سرج، وامتطاء التاريخ بلا سند، ورفع راية المجد بلا جذور، فلن يجعل الراكب فارسًا، ولن يجعل الدخيل أصيلًا.
فالزمن غربال، والأيام ميزان، والحقائق وإن تأخرت لا تموت.
وقد يُغطّى الأثر بالغبار، وقد يعلو صوت الزيف على صوت الصدق، وقد يتقدم الدخيل ويتأخر الأصيل، لكن التاريخ في نهاية المطاف لا يحابي أحدًا.
فمن كان له أثرٌ بقي، ومن كان له جذرٌ نبت، ومن كان له حقٌ ظهر؛ أما من بنى مجده على الوهم، فسينهار يوم تسقط الرواية أمام الوثيقة، والكلمة أمام الحجة، والادعاء أمام الحقيقة.
وليس المطلوب أن نفتح دفاتر الخصومة، بل أن نفتح دفاتر الحقيقة؛ لا أن نطارد الناس، بل أن نطارد التزييف؛ لا أن نهدم الأنساب، بل أن نحفظها من العبث.
فإن كان لنا تاريخ، فلنصنه.
وإن كان لنا تراث، فلنحفظه.
وإن كانت لنا عادات، فلنحترمها.
وإن كانت لنا حقوق، فلنثبتها.
فالتراث الذي لا تحرسه الأمانة تسرقه الألسن، والتاريخ الذي لا يحميه التوثيق تعبث به الروايات، والمجد الذي لا تسنده الحقيقة يتحول إلى حكاية... والحكاية إذا فقدت أصلها أصبحت خرافة.
ولذلك نقولها بلا مواربة ولا مداراة:
لا تسرقوا ما لم تصنعوا، ولا تنسبوا إليكم ما لم تورثوه، ولا تركبوا خيلًا ليست لكم، ثم تزعموا أنكم فرسان الميدان.
فالأصيل لا يحتاج أن يثبت أصالته كل صباح،
والصادق لا يحتاج أن يرفع صوته كي يُصدَّق،
والتاريخ لا يحتاج إلى من يختلقه؛
إنما يحتاج إلى من يحفظه من الكذب، ويصونه من العبث، ويتركه لأصحابه كما تركه لهم آباؤهم: أمانةً لا غنيمة، ووديعةً لا وليمة، وحقيقةً لا حكاية.
فليقل من شاء ما شاء، وليكتب من شاء ما شاء؛
فالزمن غربال، والتاريخ سجّال، والحقيقة في آخر المطاف هي التي تقول: من كان هنا... ومن كان يدّعي أنه كان هنا.