يُنظر إلى الإسقاط النفسي في علم النفس، بصورة عامة، بوصفه آلية دفاعية ينسب فيها الإنسان إلى الآخرين مشاعر أو رغبات أو صفات يصعب عليه مواجهتها في ذاته. وقد ارتبط المفهوم منذ بداياته في التحليل النفسي بفكرة الدفاع عن الذات في مواجهة القلق والصراع الداخلي.
لكن عند انتقال مفهوم الإسقاط إلى الأدب والنقد، تظهر مساحة تستحق التوقف عندها: ماذا يحدث عندما يستخدم الكاتب خبرته الشخصية في الاقتراب من شخصية أخرى؟ وهل كل حضور للذات داخل قراءة الآخر يُعد إسقاطًا سلبيًا؟
من هنا يأتي السؤال الذي انطلقت منه في مشروع هندسة التقمص: هل يمكن أن تكون الخبرة الذاتية أداة لفهم الآخر بدل أن تكون وسيلة لإلغائه؟
وهندسة التقمص مشروع مفاهيمي وإجرائي يسعى إلى بناء تمييزات بين المفاهيم المتداخلة في علاقة الكاتب بالشخصية والآخر، وتحويل هذه التمييزات إلى منهج يمكن تطبيقه في القراءة والكتابة.
على أي أساس يمكن تقسيم الإسقاط؟
التقسيم الذي أطرحه هنا ليس تصنيفًا نفسيًا عامًا معتمدًا داخل علم النفس، ولا أدعي أنه مصطلح قائم في الأدبيات النفسية بهذا الشكل، وإنما هو تمييز مفاهيمي وإجرائي أقترحه داخل مشروع «هندسة التقمص» لفهم حضور الذات في الكتابة والقراءة.
وقد بنيت هذا التمييز على ثلاثة أسئلة أساسية:
هل حافظ الكاتب على استقلال الشخصية عن تجربته الخاصة؟
هل يستخدم تجربته لفهم الشخصية أم يفرضها عليها؟
هل يستطيع العودة من تجربة الآخر مع بقاء وعيه بالفارق بين ذاته وذات الشخصية؟
والاستبصار هنا لا يعني معرفة ما خفي من الآخر أو ادعاء النفاذ إلى باطنه، وإنما يعني قدرة وجدانية وتأملية على الاقتراب من تجربته وفهم دوافعه المحتملة من خلال التعاطف العميق، مع الحفاظ على المسافة النقدية والوعي بحدود ما يمكن معرفته.
وبناء على ذلك، أميز بين مسارين:
أولًا: الإسقاط الإلغائي
وهو الحالة التي تصبح فيها تجربة الكاتب أو القارئ هي الإطار الوحيد الذي تُفهم من خلاله الشخصية.
هنا لا تعود الشخصية كيانًا مستقلًا له تاريخه ودوافعه وسياقه، بل تتحول إلى مساحة يضع فيها الكاتب مشاعره ومخاوفه وتجربته الخاصة.
بمعنى بسيط:
أنا لا أراك كما أنت، وإنما أراك من خلال أزمتي.
في الكتابة، قد يؤدي هذا النوع من الإسقاط إلى شخصيات أحادية البعد، لأن صوت الكاتب يطغى على صوت الشخصية.
ثانيًا: الإسقاط المرآتي الاستبصاري
وهو المصطلح الذي أقترحه داخل «هندسة التقمص» لوصف حالة مختلفة: أن يستعين الكاتب بخبرته الذاتية بوصفها مدخلًا لفهم الآخر، دون أن يحول تجربته إلى حقيقة نهائية عنه.
فالإنسان الذي عرف الفقد يستطيع أن يقترب من تجربة شخصية فقدت شخصًا عزيزًا، والإنسان الذي عرف الوحدة يستطيع أن يفهم بعض جوانب شخصية وحيدة.
لكن هناك فرقًا جوهريًا بين الأمرين.
أن أقول:
أنا عرفت الألم، ولذلك أستطيع أن أقترب من ألمك.
وأن أقول:
أنت تتألم بالطريقة نفسها التي تألمت بها أنا.
الأولى محاولة للفهم، أما الثانية فقد تكون إسقاطًا يلغي اختلاف الآخر.
ولهذا يرتبط هذا النوع من الإسقاط بمفهوم المسافة السيادية في مشروع «هندسة التقمص»: الاقتراب من تجربة الآخر دون الذوبان فيها، واستخدام الخبرة الذاتية لفهمه دون مصادرته.
تطبيق على نص «بوح خلف الرداء»
يمكن توضيح الفكرة من خلال النص الذي تناول شخصية الأم تيريزا في «بوح خلف الرداء».
في هذه القراءة، استُخدمت فكرة الفقد والحرمان بوصفها مدخلًا للنفاذ إلى الجانب الإنساني من الشخصية، ومحاولة النظر إلى الإنسان خلف الصورة الرمزية.
لكن القراءة لا تقول إن الكاتب أو الناقد امتلك الحقيقة النفسية للأم تيريزا، ولا أن تجربته الشخصية تطابق تجربتها.
إنها قراءة تأويلية تستعين بالخبرة الإنسانية المشتركة لتطرح احتمالًا لفهم بعض الدوافع، مع إبقاء الشخصية في سياقها وتاريخها ورمزيتها.
وهنا تظهر المسافة بين التقمص الآمن والإسقاط الإلغائي.
فالناقد يمكن أن يقترب من الشخصية، أن يتعاطف معها، وأن يحاول فهم وحدتها وألمها، لكنه لا يتحول إليها ولا يدعي امتلاك داخلها.
حتى العبارة التي يخاطب بها النص الشخصية: «لا بأس، يمكنك أن تكوني وحيدة»، يمكن فهمها بوصفها فعل احتواء أدبيًا، لا ادعاءً بمعرفة الحقيقة الداخلية الكاملة للشخصية.
هل هذا التصنيف خاص بالأدب؟
نعم، بهذه الصياغة والتقسيم تحديدًا، هو تصنيف إجرائي داخل مشروع «هندسة التقمص» وليس تصنيفًا نفسيًا عامًا.
أما مفهوم الإسقاط نفسه فهو مفهوم معروف في علم النفس، وله استخداماته ونقاشاته النظرية المختلفة.
ما أحاول فعله في المشروع هو نقل السؤال إلى مجال الكتابة والقراءة:
ليس فقط: هل أسقط الكاتب تجربته على الشخصية؟
بل:
كيف استخدم الكاتب تجربته الذاتية؟
هل استخدمها ليُلغي الآخر؟
أم استخدمها ليقترب منه مع الحفاظ على استقلاله؟
هذا الفرق هو الذي يسمح بإعادة النظر في العلاقة بين الإسقاط والتقمص والتأويل داخل النص الأدبي.
من الإسقاط إلى التقمص الآمن
لا يمكن للكاتب أن يخرج من ذاته تمامًا وهو يكتب الآخر. كل تجربة إنسانية نقرأها تمر، بدرجة ما، عبر وعينا وذاكرتنا وحساسيتنا.
لكن المسألة ليست في إلغاء الذات، وإنما في معرفة حدودها.
التقمص الآمن، كما أطرحه في «هندسة التقمص»، لا يعني أن أصبح الشخصية، ولا أن أعيش تجربتها كما لو كانت تجربتي، وإنما أن أقترب من عالمها الداخلي بما يكفي لفهم منطقها، ثم أعود إلى ذاتي وأنا واعٍ بأنني كنت أقرأ تجربة شخص آخر.
وهنا يصبح السؤال الأهم في الكتابة:
هل دخلت إلى الشخصية لأفهمها، أم دخلت إليها لأضع نفسي مكانها؟
الفرق بين السؤالين قد يبدو بسيطًا، لكنه يغيّر طبيعة العلاقة بين الكاتب وشخصياته، وبين الناقد والنص، وبين الذات والآخر.
فالإسقاط الإلغائي يجعل الآخر مرآة للذات.
أما الإسقاط المرآتي الاستبصاري، كما أقترحه في «هندسة التقمص»، فيجعل من الوعي بالذات وسيلة للعبور نحو الآخر، مع إبقاء المسافة التي تحفظ له حقه في أن يكون مختلفًا.
وهذه المسافة، في جوهرها، هي إحدى النقاط التي يبدأ منها التقمص الآمن.