بقلم: الدكتور المستشار محمد سلمان المعايعة الأزايدة/ أكاديمي وباحث في الشؤون السياسية.
في اليوم العالمي للمعلم، نقف إجلالاً وتوقيراً لحقيقةٍ أزلية ثابتة ثبات الرواسي الشوامخ، حقيقةٌ تؤكد أنه ما أشرقت في المعمورة شمس حضارة إنسانية، ولا نهضت فيها ثقافة ناضجة تستند إلى مواريث وقيم وأصول سامقة، إلا وكانت من جنى غرس المعلم وقبس فكره الوقاد. فهو صانع الحضارة الحقيقي وباني الإنسان، والفاعل الملهم الذي يسكب من عصارة روحه وفيض عقله لتوسيع دوائر الفكر وتشييد حصون الوعي والتنوير.
فالمعلم يُعد من رسل الفكر وبناة العقول في المجتمعات المعرفية المعاصرة، باعتبار أن بناء الإنسان هو الحجر الأساس في بناء الدولة والمجتمع، وأن المعلم ليس مجرد ناقل للمعلومات، بل هو الرافعة الفكرية والتربوية والتنموية للأمم. ففي رحلة الحضارة الإنسانية الممتدة عبر مراحل التاريخ، لم تكن النهضات وليدة الصدفة البحتة، ولم تكن التحولات الكبرى مجرد نتاجٍ عابر للظروف؛ بل كانت دوماً ثمرة نضجٍ فكري وثقافي يقوده قادةٌ مجهولون في أضواء الشهرة ومعلومون بأثرهم الخالد، يفرشون للجيل دروب المعرفة بالنور، ويصنعون من نسيج الأفكار السامية دروعاً حصينة تحمي العقول من التضليل ووهم السطحية. وفي قلب هذه المنظومة الحضارية، يقف المعلم بوصفه الحلقة الأقوى، والركيزة الأساسية التي يرتكز عليها بناء العقول الواعية وتنير بفضله البصائر.
من هنا تأتي أهمية المعلم الجليلة كصانعٍ للوعي وراعٍ للثقافة، ورعايته تلك لا تقف عند حدود تلقين المعارف المجرّدة ونقل النصوص الصامتة من الكتب إلى أذهان الطلبة، بل تتجاوز ذلك لتصل إلى صناعة أدوات التفكير الابتكاري والتحليلي. فالعلم بلا منهجية تفكير سديدة قد يتحول إلى مجرد معلومات مكدسة لا روح فيها، وهنا يبرز دور المعلم ليحيل هذه المعلومات إلى حكمةٍ بالغة ووعيٍ أصيل.
ويُعد المعلم الناقل الأمين لثقافة الأمة وقيمها الأصيلة، فهو يربط الماضي التليد بالحاضر المجيد، ويمكّن الأجيال من فهم استحقاقات المستقبل دون الانسلاخ عن الجذور والتعلق بالقشور. فهو عامل ترسيخ للهوية الثقافية وصقلٍ للتفكير النقدي؛ حيث يمنح المعلم طلابه مفاتيح النقد والملاحظة والتحليل، ليكونوا قادرين على تمييز الخبيث من الطيب في عصرٍ تدفقت فيه المعلومات وتزاحمت فيه الأفكار الهادمة والهدامة على حدٍّ سواء...
ليس المعلم ناقلاً للمعرفية فحسب، بل هو مربي وأب روحي بالدرجة الأولى. فالتعليم الذي لا يرافقه بناء أخلاقي متين وتزكيةٌ للنفس هو تعليم ناقص الأثر، بتراء مقاصده. يزرع ويغرس المعلم القيم الأنيقة والأخلاق الفاضلة في نفوس ناشئته: قيم المسؤولية الوطنية، والأمانة العلمية، والتسامح الإنساني، وحب الوطن؛ ليكون الخريج إنساناً نافعاً لمجتمعه، مناراً للخير، قبل أن يكون مجرد متخصص في فرعٍ من فروع العلم المادي.
المعلم هو القدوة والنموذج؛ حيث تتجسد مفاهيم العطاء غير المشروط والالتزام الراسخ في سلوك المعلم اليومي، فيتعلم منه الطالب بالقدوة والمشاهدة الحية ما لا تلخصه المجلدات والكتب المفسرة. ويمثل المعلم الملاذ الآمن والملهم الذي يكتشف الموهبة الكامنة، ويداوي التعثر الدراسي والنفسي، ويأخذ بيد الطالب ليثق بقدراته ويحقق ذاته، فهو مصدر الدعم النفسي والإنساني الشامل للطالب.
تأهيل المعلم بالمهارات المعرفية الحديثة هو استثمار الأمم وركيزة نهضتها، فالدول الرشيدة التي أدركت سرّ النهضة جعلت من المعلم محور رؤيتها الاستراتيجية؛ ذلك أن أي إصلاح تعليمي أو تطوير منظوماتي لا يمكن أن تؤتي أُكله ولبه إلا إذا كان المعلم في مركز هذا التطوير وهرمه. فهو الفاعل الميداني الذي يترجم المناهج الصامتة إلى واقعٍ حي، والرؤى النظرية إلى أفعالٍ ملموسة، والشعارات البراقة إلى بناءٍ حقيقي داخل القاعات الدراسية. فالمعلم يُعد الاستثمار الأسمى والأعظم للأمم التي تبحث عن عوالم المعرفة العلمية والاستكشافات والاختراعات التي تمكنها من النهوض بالوعي والرقي المعرفي...
تحية إجلال وعرفان نقولها
في يوم المعلم، فلا نكتفي بتقديم عبارات الشكر وجمل الامتنان، بل نجدد الاعتراف الصادق بالدور المحوري لهذه المهنة الشريفة التي تتوارثها الأجيال كرسالة سامية وقدر نُبل. إن التحية الحقيقية للمعلم تتمثل في إجلال مكانته، ودعم رسالته المقدسة، والإيمان المطلق بأن الاستثمار في المعلم هو الاستثمار الأضمن والأجدى في حماية مستقبل الأوطان وصيانة عقول أبنائها من الانحراف...
تحية إجلالٍ وتقدير لكل معلمٍ ومعلمة، يحملون القبس في ظلمات الجهل، ويصنعون من الأمل واقعاً مشرقاً لكل أمة تتطلع نحو العلا والرفعة... نعم، المعلم ليس مجرد ناقل للمعرفة، بل هو المطرقة والرصاصة الأولى على رأس الجهل، والعين الساهرة على ثغور الأمة الفكرية، والسد المنيع الذي تتكسر على صخرته الصلدة أمواج الاختراقات الفكرية والتغريب الثقافي المنافي لثوابتنا وأخلاقنا والدخيل على قيمنا، فيستعصي حمى الأوطان بفضله على الذبول والاضمحلال.
المعلمون هم خميرة النهضة والأصل الرصين، وملح الأرض الذي يتصلب به قوام المجتمعات وتشتد به العزائم، والقدوة الحسنة المؤثرة التي يتأسى بها المصلحون المبادرون والأجيال المتعاقبة لبلوغ المعالي وذرى الكمال الإنساني، والتطور، والتمكين...
نقول لكم في يومكم الأغرّ لقد
حملتم الثقيلة وقدمتم الجزيلة وصنتم أمانة التربية والتأهيل الكبرى، فاتخذتم من الفكر سراجاً وهّاجاً ومن التربية حصناً حصيناً، وجعلتم من منصاتكم التعليمية روافع يقينية للتنمية وركيزة لأي نهضة علمية وإنسانية تفخر بها مجتمعاتنا؛ وجسراً متيناً تعبر عليه الأوطان لتحجز مقعدها في نادي الأقوياء وميادين المنافسة الحضارية.
فالمجتمعات التي تنجح في تطوير استراتيجياتها التعليمية والتربوية، وتطبيق القانون بعدالة، وتفتح باب البحث والاكتشافات والابتكارات الحضارية المتعددة والمتنوعة، هي المجتمعات المؤهلة لحجز مقعدها في قطار المستقبل وتحت أشعة الشمس...
سيرتكم العطرة نفحة من مسك وعنبر تستقر في عمق الوجدان وزادٌ ينير عقولنا، وأثركم الممتد في زوايا أوطاننا يبقى شذاه حياً لا يجف، يعبقُ بالخير والبقاء ليغدو شاهداً لكم على مر الأزمان والدهور...
وفي الختام نقول معاً من أجل تعليم يبني الإنسان ومُعلم يصنع المستقبل وبوابة للتنمية والنهضة لتأهيل الإنسان واعتباره ثروة وطنية؛ لأن التعليم الصالح يُنتج أفراداً قادرين على الإنتاج والابتكار، والتركيز على كيفية تحويل المعرفة التعليمية إلى سلوكيات وممارسات مجتمعية تعزز المواطنة الفاعلة، والمسؤولية الاجتماعية، والوعي المعرفي لامتلاك مفاتيح التغيير والنهضة التي نسعى اليها جميعا.....
نسأل الله العلي القدير أن يديمكم أرواحاً طيبة تسكن القلوب أماناً، ووجوهاً باسمة ترتاح لها العيون، ويجعلكم دوماً منارات إصلاح وفضيلة ومشاعل للخير والبركة والتغيير الإيجابي.
طوبى لكم هذا الأثر الخالد والعظيم، وكل عام وأنتم بخير ورفعة وعطاء لا ينضب.
حمى الله الأردن وأهله وقيادته الهاشمية العامرة ليبقى وطن التنوير الفكري والثقافي والحضاري والملاذ الآمن للكرامة الإنسانية الممتدة تحت رأية المجد لجلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين المعظم أعز الله ملكة...