لم يكن المشهد الأكثر لفتًا للانتباه في معرض عمّان الدولي للكتاب هذا العام هو رفوف الكتب الممتدة، ولا كثافة دور النشر، ولا تنوع العناوين التي جاءت من بلدان عربية وأجنبية؛ بل كان المشهد الحقيقي يتحرك بين كل ذلك: زائر يدخل، وآخر يخرج وفي يده كتاب، أسرة تتنقل بين الأجنحة، طالب يبحث عن عنوان، وشاب يقف طويلًا أمام رفوف لم يكن يعرف قبل دقائق أنه سيجد بينها ما يثير فضوله.
هنا تحديدًا، يصبح الزائر هو الحكاية
ففي زمن تتردد فيه كثيرًا مقولة إن الكتاب الورقي يتراجع أمام الهاتف والشاشة والمحتوى السريع، جاءت الدورة الخامسة والعشرون من معرض عمّان الدولي للكتاب بصورة مختلفة؛ أكثر من 400 ألف زائر مرّوا بأروقة المعرض في دورته التي احتفت باليوبيل الفضي، في رقم لا يمكن التعامل معه بوصفه مجرد إحصائية في بيان ختامي، بل بوصفه مشهدًا اجتماعيًا وثقافيًا يستحق التوقف عنده
فأكثر من 400 ألف شخص اختاروا، خلال أيام المعرض، أن يذهبوا إلى مكان يجتمع فيه الكتاب والكاتب والقارئ والفكرة. وبين أكثر من 400 دار نشر ومؤسسة محلية وعربية ودولية من 23 دولة، وجد كل زائر تقريبًا سببًا مختلفًا للوجود هناك؛ فمنهم من جاء بحثًا عن كتاب، ومنهم من جاء لمقابلة كاتب، ومنهم من اصطحب أسرته، ومنهم من دخل بدافع الفضول، وربما خرج بتجربة لم يكن يخطط لها أصلًا.
وهذه هي المفارقة التي تستحق التأمل: في الوقت الذي أصبحت فيه المعرفة متاحة على بعد نقرة واحدة، اختار مئات الآلاف أن يذهبوا بأنفسهم إلى معرض للكتب.
لماذا؟
ربما لأن الإنسان، مهما تغيرت أدواته، لا يزال يبحث عن تجربة حقيقية. يريد أن يرى الكتاب أمامه، أن يتصفح صفحاته، أن يلتقي بصاحبه، أن يسمع نقاشًا ثقافيًا، وأن يشعر بأنه جزء من مشهد يتجاوز الشاشة الصغيرة التي يحملها في يده طوال اليوم.
ولذلك لم يكن معرض عمّان الدولي للكتاب مجرد سوق للكتب.
لقد تحول، على مدى خمسة وعشرين عامًا، إلى تظاهرة ثقافية وفكرية سنوية، ومنصة للحوار والتبادل المعرفي، وجسر يصل الأردن بمحيطه العربي والعالم. وفي دورة اليوبيل الفضي، بدا هذا التحول أكثر وضوحًا؛ فالزائر لم يكن أمام رفوف صامتة، وإنما أمام برنامج ثقافي واسع ولقاءات وندوات وأمسيات ومساحات للحوار.
واللافت أكثر أن الحضور لم يكن حكرًا على القارئ التقليدي.
الشباب كانوا جزءًا واضحًا من المشهد، وكذلك الطلبة والأسر، وهو ما يضع كثيرًا من الأفكار الشائعة حول عزوف الأجيال الجديدة عن القراءة أمام سؤال مختلف: هل ابتعد الشباب فعلًا عن الكتاب، أم أن طرق وصولهم إليه هي التي تغيرت؟
فالشاب الذي يقضي ساعات أمام هاتفه قد يتعرف إلى كتاب عبر منصة اجتماعية، أو يسمع عن رواية من مقطع قصير، أو يتابع كاتبًا عبر الإنترنت، ثم يجد نفسه بعد أيام يقف أمام رف الكتب بحثًا عن ذلك العنوان.
هكذا لم تعد العلاقة بين العالم الرقمي والكتاب علاقة صراع بالضرورة.
قد تكون الشاشة هي الطريق إلى الصفحة.
وقد يكون المحتوى السريع هو الذي يقود، في لحظة ما، إلى قراءة طويلة.
ولهذا فإن القول إن الكتاب خسر أمام التكنولوجيا يبدو تبسيطًا لمشهد أكثر تعقيدًا. ما حدث في معرض عمّان يشير إلى أن الإنسان يستطيع أن يعيش في عالم رقمي، وفي الوقت نفسه يحتفظ بحاجته إلى الكتاب بوصفه تجربة ملموسة وفكرية وإنسانية.
والأرقام تصبح أكثر دلالة عندما نضعها في سياق الدورة نفسها.
فالمعرض لم يكتفِ بعرض مئات الآلاف من العناوين، بل جمع مؤسسات ودور نشر ومبدعين وباحثين وقراء من دول متعددة، واستضاف الجمهورية العربية السورية ضيف شرف، في مشاركة أضافت بعدًا ثقافيًا وتاريخيًا إلى الدورة. كما حملت هذه النسخة شعار «الأردن: الأرض والإنسان»، لتضع السردية الأردنية في قلب المشهد الثقافي.
لكن مهما اتسعت المشاركة، يبقى الجمهور هو الاختبار الحقيقي لأي معرض.
يمكن تنظيم مئات الفعاليات، واستضافة عشرات الأسماء، وجلب آلاف العناوين، لكن كل ذلك يفقد جزءًا كبيرًا من معناه إذا لم يجد طريقه إلى الناس.
وهذا الطريق كان مفتوحًا في عمّان.
أكثر من 400 ألف زائر لا تعني أن جميع هؤلاء أصبحوا قراء منتظمين، ولا تعني أن أزمة القراءة انتهت، لكنها تعني شيئًا لا ينبغي تجاهله: الكتاب ما زال قادرًا على تحريك الناس.
وهذه ربما أهم رسالة خرجت بها دورة هذا العام.
فالزائر الذي جاء مع أسرته لم يكن مجرد رقم في سجلات الدخول. والطالب الذي وقف أمام الكتب لم يكن مجرد مستهلك. والطفل الذي اكتشف عالم القصص للمرة الأولى لم يكن تفصيلًا عابرًا. والشاب الذي جاء بدافع الفضول ثم خرج وفي يده كتاب، قد يكون قد بدأ علاقة جديدة مع القراءة دون أن يدرك ذلك في اللحظة نفسها.
لذلك، عندما نقرأ الرقم «400 ألف زائر»، ينبغي ألا نتعامل معه بوصفه رقمًا فقط.
خلف كل رقم حكاية.
خلف كل زائر سؤال.
وخلف كل كتاب اشتراه أحدهم احتمال لفكرة جديدة، أو موقف مختلف، أو معرفة لم تكن موجودة قبل أن تُفتح الصفحة الأولى.
ربما لهذا السبب تحديدًا نجح معرض عمّان الدولي للكتاب في جذب هذا العدد الكبير من الناس؛ لأنه لم يقدم نفسه بوصفه مكانًا تذهب إليه لشراء كتاب ثم تغادر، بل بوصفه مساحة تستطيع أن تقضي فيها وقتًا، وتلتقي فيها بأشخاص، وتستمع إلى أفكار، وتكتشف عناوين، وتعيد اكتشاف علاقتك بالقراءة.
وفي النهاية، لم تكن الحكاية عن الكتاب وحده.
كانت عن القارئ.
عن الإنسان الذي ما زال، رغم تسارع الحياة، يجد وقتًا ليمسك كتابًا بيده.
عن الأسرة التي ترى في المعرض نزهة ثقافية.
عن الطالب الذي يبحث عن المعرفة.
عن الشاب الذي اكتشف أن العالم لا يُختصر في شاشة.
وعن طفل قد يحمل أول كتاب له اليوم، ليحمل بعد سنوات عشرات الكتب في ذاكرته.
ولهذا يمكن القول إن معرض عمّان الدولي للكتاب لم يثبت فقط أن الكتاب ما زال حاضرًا؛ بل كشف أن القارئ نفسه ما زال حاضرًا أيضًا.
وحين أُغلقت أبواب الدورة الخامسة والعشرين، لم يبقَ في المكان أكثر من الرفوف والكتب التي تنتظر موسمًا آخر، لكن شيئًا آخر كان قد غادر مع الزوار: فكرة، أو سؤال، أو عنوان، أو رغبة في القراءة.
أكثر من 400 ألف زائر ليسوا مجرد رقم في تقرير ختامي.
إنهم أكثر من 400 ألف دليل على أن الإنسان، مهما تغيرت حياته، لا يزال يحتاج إلى لحظة يتوقف فيها عن التمرير، ويفتح صفحة.
وربما كانت هذه هي الصورة الأجمل التي تركها معرض عمّان الدولي للكتاب هذا العام: آلاف الوجوه أمام الكتب، ومئات الآلاف من الخطوات التي قادت أصحابها إلى مكان واحد، لتقول ببساطة إن القراءة لم تختفِ، وإن الكتاب لم يخرج من المشهد، وإن القارئ ما زال هنا.