قد تبدأ الخطورة أحياناً من شاشة صغيرة؛ منشور، أو منصة، أو موقع إلكتروني، أو معلومة تبدو في ظاهرها مجرد محتوى منشور على الإنترنت. لكن عندما يتحول هذا المحتوى إلى وسيلة للترويج للأسلحة أو الذخائر أو المتفجرات أو المفرقعات، أو إلى نشر معلومات تتعلق بكيفية تصنيعها، فإن الأمر يتجاوز الاستخدام العادي للتكنولوجيا، ويدخل في نطاق أفعال وضع لها المشرع حدوداً جزائية واضحة.
ومن هنا جاءت المادة (19) من قانون الجرائم الإلكترونية رقم (17) لسنة 2023 لتواجه هذا النوع من الاستخدام، فنصت على معاقبة كل شخص غير مصرح له ينشئ أو يدير موقعاً إلكترونياً أو منصة تواصل اجتماعي أو يشرف عليها، أو ينشر معلومات على شبكة معلوماتية أو إحدى وسائل تقنية المعلومات، بقصد الترويج أو الاتجار أو نشر معلومات تتعلق بكيفية تصنيع الأسلحة أو الذخائر أو المتفجرات أو المفرقعات.
وبلغة المواطن، لا يتعلق الأمر بمجرد ذكر الأسلحة أو الحديث عنها في محتوى إلكتروني، وإنما بالسلوك الذي حدده النص والغاية التي يتجه إليها الفعل. فالمشرع استهدف استخدام الوسائل الإلكترونية كأداة للترويج أو الاتجار أو لنشر معلومات عن كيفية تصنيع المواد التي حددها النص، متى توافرت في الواقعة باقي شروط التجريم.
وتزداد أهمية ذلك في عالم تنتقل فيه المعلومة خلال ثوانٍ من شخص إلى آخر، ومن شاشة إلى مئات الشاشات. فما يُنشر على الإنترنت قد لا يبقى مجرد كلمات أو صور، بل قد يصل إلى أشخاص قادرين على تحويل المعلومة إلى فعل في الواقع. ولهذا تعامل المشرع مع نشر المعلومات المتعلقة بكيفية تصنيع المتفجرات أو المفرقعات وغيرها من المواد التي حددها النص باعتباره فعلاً يستحق التجريم متى توافرت عناصره القانونية.
كما أن النص لم يتناول الفعل المباشر وحده، بل شمل إنشاء الموقع أو المنصة أو إدارتها أو الإشراف عليها أو نشر المعلومات، عندما يكون ذلك مرتبطاً بالقصد الذي حدده المشرع. وهذا يعني أن المسؤولية لا تتعلق فقط بمن يصنع المحتوى، وإنما قد تمتد إلى من يؤدي دوراً في توفير الوسيلة أو إتاحتها لتحقيق الغرض المجرّم، متى اكتملت الشروط القانونية.
ومن المهم هنا توضيح المقصود بعبارة" غير المصرح له "الواردة في نص المادة ذاتها، فهي تعني الشخص الذي لا يملك الإذن أو الصفة القانونية التي تخوله القيام بالنشاط محل النص. وفي المقابل لا يكفي مجرد إنشاء موقع أو إدارة منصة أو نشر معلومة لقيام الجريمة، إذ تبقى العبرة بمضمون الفعل والغاية منه، ومدى توافر القصد وبقية الشروط التي حددها القانون. فالمسؤولية الجزائية لا تقوم لمجرد وجود موقع أو منشور، وإنما عندما تجتمع الأفعال والقصد والعناصر القانونية اللازمة لقيام الجريمة.
أما من حيث العقوبة، فقد قرر المشرع لهذه الجريمة الحبس مدة لا تقل عن سنتين، وغرامة لا تقل عن (10000) عشرة آلاف دينار ولا تزيد على (30000) ثلاثين ألف دينار. وهي عقوبة مشددة تعكس خطورة استخدام الوسائل الإلكترونية في الترويج أو الاتجار أو نشر المعلومات المتعلقة بتصنيع هذه المواد الخطرة.
وتحمل المادة (19) رسالة مهمة لكل مستخدم للفضاء الإلكتروني، مفادها أن ما يجري خلف الشاشة لا يخرج عن نطاق القانون، وأن سهولة إنشاء حساب أو منصة أو نشر محتوى لا تعني أن كل ما يُنشر فيها مباح أو مشروع. فالمحتوى الإلكتروني قد يتجاوز لحظة نشره ليصل إلى أشخاص آخرين ويُستغل في الواقع، وقد تتحول معلومة تبدو بسيطة في ظاهرها إلى وسيلة للترويج أو الاتجار أو تمكين الغير من الوصول إلى مواد وأفعال شديدة الخطورة. لذلك فإن المسؤولية لا تبدأ بعد وقوع الضرر، وإنما تبدأ من لحظة استخدام الوسيلة الإلكترونية لتحقيق الغرض الذي حظره القانون.
وفي النهاية، فإن مسؤولية المستخدم لا تنتهي عند الضغط على زر "نشر" لأن بعض ما نضعه على الشاشة قد يتجاوز حدودها ويصل أثره إلى أمن المجتمع وسلامة أفراده. والمعلومة ليست دائماً مجرد معلومة؛ فقد تصبح وسيلة للترويج أو الاتجار أو تمكين الغير من الوصول إلى ما حظره القانون. لذلك فإن الوعي الحقيقي في البيئة الرقمية لا يكون بمعرفة ما يمكن نشره فقط، بل بمعرفة ما يجب الامتناع عن نشره، وإدراك أن الاستخدام الخاطئ للتكنولوجيا قد يحوّل صاحب المنشور من مجرد مستخدم إلى مسؤول أمام القانون.