ليس كل اتهامٍ حقيقة، وليس كل شكوى تنتهي دون إدانة جريمةً بحد ذاتها، لكن أخطر ما يمكن أن يصل إليه استعمال حق الشكوى هو أن يتحول من وسيلة للوصول إلى العدالة إلى وسيلة لصناعة الاتهام والإضرار بالآخرين.
فالإنسان حين يضع اسم شخص أمام جهة التحقيق، وينسب إليه ارتكاب فعل جرمي، لا يضع مجرد كلمات على ورق؛ بل يفتح بابًا لإجراءات قانونية قد تترك آثارًا حقيقية على الشخص الذي وُجّه إليه الاتهام. ولهذا كان من الضروري أن يضع القانون حدًا فاصلًا بين من يلجأ إلى السلطات بحسن نية طلبًا للحماية، وبين من يعرف الحقيقة ثم يتعمد تقديم رواية يعلم أنها غير صحيحة.
وفي القانون الأردني، لم يترك المشرّع هذه المسألة دون تجريم، فجاءت أحكام اختلاق الجرائم والافتراء ضمن قانون العقوبات. وتنص المادة (209) على أن:
«من أخبر السلطة القضائية أو أية سلطة يجب عليها إبلاغ السلطة القضائية عن جريمة يعرف أنها لم ترتكب، ومن كان سبباً في مباشرة تحقيق تمهيدي أو قضائي باختلاقه أدلة مادية على جريمة كهذه، عوقب بالحبس مدة لا تتجاوز ستة أشهر أو بغرامة لا تزيد على عشرة دنانير أو بكلتا هاتين العقوبتين.
أما عندما يتجه الاتهام إلى شخص محدد، فقد عالج المشرّع الحالة في المادة (210)، فنص في فقرتها الأولى على:
«من قدم شكاية أو إخباراً كتابياً إلى السلطة القضائية أو أية سلطة يجب عليها إبلاغ السلطة القضائية، فعزا إلى أحد الناس جنحة أو مخالفة وهو يعرف براءته منها أو اختلق عليه أدلة مادية تدل على وقوع مثل هذا الجرم عوقب بحسب أهمية ذلك الإسناد بالحبس من أسبوع إلى ثلاث سنوات.
وهذه النصوص تكشف بوضوح أن المسألة ليست مجرد «شكوى لم تثبت»، وإنما تتعلق بسلوك يتوافر فيه عنصر العلم أو الاختلاق وفق الصورة التي حددها القانون. ولذلك فإن مساواة كل شكوى انتهت بالحفظ أو عدم المسؤولية بالبلاغ الكاذب تُعد تبسيطًا لمسألة قانونية أكثر دقة.
فالذي يتقدم بشكوى استنادًا إلى وقائع يعتقد أنها صحيحة، ثم لا تتمكن جهات التحقيق أو المحكمة من إثباتها، يختلف في مركزه القانوني عن شخص يعلم أن الواقعة لم تحدث، أو يعلم براءة من ينسب إليه الجرم، ثم يتعمد تحريك السلطات ضده، أو يختلق أدلة مادية لتدعيم اتهامه.
لا يجوز أن يتحول الاتهام إلى عقوبة، ولا أن يصبح حق الشكوى غطاءً لاختلاق الجرائم. فالقانون لم يمنح الإنسان حق الزجّ بغيره في الإجراءات الجزائية بقصد الانتقام، كما أنه لم يجعل عدم ثبوت الشكوى وحده سببًا لمعاقبة من لجأ إلى القانون بحسن نية.
إن أخطر ما في البلاغ الكاذب ليس الكذبة التي تُكتب في ورقة، وإنما ما قد تتركه تلك الكذبة من آثار على إنسان قد يجد نفسه مطالبًا بالدفاع عن نفسه في مواجهة اتهام لم يرتكبه، وما قد تسببه من استنزاف للوقت والجهد وإشغال لجهات التحقيق والقضاء بوقائع مختلقة.
فإن الدعوة ليست إلى تقييد حق الناس في الشكوى، وإنما إلى تفعيل الحماية القانونية في الاتجاهين: حماية كل شخص يلجأ إلى القضاء بحسن نية، وفي المقابل مساءلة من يثبت تعمده اختلاق الوقائع أو إسناد الجرائم إلى الأبرياء وفقًا لما يقرره القانون.
فإن الحاجة تبرز إلى تعزيز الوعي القانوني لدى أفراد المجتمع بأن الشكوى ليست وسيلة للانتقام، وأن الاتهام ليس حكمًا، وأن استعمال الحق يجب أن يبقى في حدود الغاية التي شرّع من أجلها. كما تبرز أهمية التعامل مع البلاغات الكيدية، متى توافرت عناصرها القانونية، بجدية تحفظ هيبة العدالة وتصون حقوق من يتعرضون لاتهامات مختلقة.
فالمطلوب ليس أن يخاف الناس من تقديم الشكاوى، بل أن يعرف كل شخص أن باب العدالة مفتوح أمام صاحب الحق، ومغلق أمام من يحاول تحويله إلى أداة للكيد. والقانون لا ينبغي أن يكون مجرد نص يعاقب بعد وقوع الضرر، بل ضمانة تمنع أن يتحول الاتهام الكاذب إلى ظلمٍ جديد باسم العدالة.
تبقى الرسالة الأوضح: قدّم شكواك حين يكون لديك حق، وقدّم دليلك حين تملك دليلًا، واترك للقانون مهمة إثبات الجريمة؛ لأن العدالة لا تحتاج إلى اختلاق الحقيقة، وإنما تحتاج إلى من يبحث عنها.