عمان - القسم السياسي والتوثيقي في وكالة نيروز الإخبارية
في المشهد الاجتماعي والتوثيقي الأردني غدت الكتابة عن القامات العشائرية الراحلة تقليداً يستذكر المآثر والمواقف في إطار الحنين والوفاء. إلا أن قراءة سيرة المرحوم المختار الوجيه ياسر عبد الله العطار القيسي (أبو محمد) تستدعي ما هو أبعد من الرثاء التقليدي بمسافات إنها تفرض علينا وقفة تفكيكية لنموذج ريادي فريد في إدارة النزاعات المجتمعية وصناعة السلم الأهلي في لواء وادي السير والعاصمة عمان لم يكن المختار الراحل مجرد رقم في سجل الوجاهة بل كان يُمثل في جوهره مدرسة متقدمة نجحت في الانتقال بالعمل العشائري من قالب النمطية التكرارية التقليدية إلى فضاء المؤسسية الوطنية والتنسيق الأمني والاجتماعي الواعي ومن هنا نبعث بقراءة تحليلية جديدة تتبع أبعاد هذا الإرث ومآلاته العصرية في وقت تبحث فيه الدولة عن أدوات مبتكرة لتجذير سيادة القانون وتحديث البنية الفكرية للمجتمع .
سيكولوجية القيادة وأنطولوجيا العباءة إن سيكولوجية القيادة العشائرية عند المختار الراحل لم تكن ترتكز على فرض الهيبة المجردة بل قامت على ركيزتين بنيويتين في علم الاجتماع الفكري : العدالة الناجزة المستندة إلى بيئة التسامح والحكمة الاستباقية في نزع فتيل الأزمات قبل تفاقمها وتأزمها لم تكن عباءته مجرد رمزية اجتماعية تخفي وراءها حلولاً مؤقتة بل كانت حلقة وصل متينة وفرت للدولة سياجاً مجتمعياً مسانداً حظيت من خلاله سيرته بتوثيق رسمي رفيع في سجلات الفخر الوطنية كشخصية وازنة عززت منظومة السلم المجتمعي تحت ظل الراية الهاشمية المظفرة ولم يكن غريباً أن يشهد وداعه تلك الجنازة المهيبة التاريخية فالجنازات في الوجدان الأردني هي الاستفتاء الشعبي الحقيقي والوجداني على صدق السيرة ونقاء السريرية حيث التقت شتى المنابت والأصول من رجالات الدولة والقبائل الأردنية لتقول بصوت واحد: شكراً لمن صان العهد وخدم الأمة .
الهندسة للإصلاح : من الشفاهية إلى المقوننة .
لأن القيمة الحقيقية للغراس الصالحة تظهر في ثمارها وقدرتها على الإثمار المتجدد فإن الامتداد الفعلي للمختار الراحل قد تجسّد اليوم في معجزة فكرية تمثلت في مأسسة حكمته وتحويلها من ثقافة شفاهية عشائرية تُقال في المجالس لفض النزاعات آنياً إلى فكر قانوني وتشريعي مكتوب ومُقونن بأسس علمية حديثة .هذا التحول الفلسفي الجريء قاده ببراعة وعمق نجله الأكبر المحامي والباحث القانوني الأستاذ محمد ياسر العطار، فالمتتبع للأطروحات الحقوقية التي يقدمها المحامي العطار في مجالات الفلسفة العقابية والتركات الرقمية وحماية الأمن الفكري ومواجهة التحديات المعاصرة للشباب يدرك تماماً أننا أمام هندسة ذكية وممنهجة لإرث والده المختار. حيث لم يقف هذا الجهد عند حدود الممارسة المهنية والبحثية المعتادة داخل مكاتب المحاماة بل تجسّد في أبهى صوره الوطنية من خلال إطلاق المحامي العطار لمبادرته التنموية الرائدة (محراب القانون للوعي التشريعي والأمن الفكري المجتمعي) والتي تقدّم بها رسمياً للمنافسة على جائزة الحسين بن عبدالله الثاني للعمل التطوعي .
محراب القانون : تطوع معرفي وأمن استباقي .
تأتي مبادرة محراب القانون كترجمة عصرية ومؤسسية ذات عمق استراتيجي للنهج الذي سار عليه المختار الراحل وهنا تتجلى الروعة الفلسفية في الدمج بين جيلين ورسالتين . فذات الحرص الوجداني والجهد المضني الذي كان يبذله الأب المختار بعباءته وحكمته مجاناً لوجه الله تعالى لمنع الجريمة وحفظ الأمن وإصلاح ذات البين في أروقة عمان يبذله الابن اليوم من خلال مبادرته المنظمة لنشر الثقافة القانونية وتحصين وعي الشباب وإرساء قيم العدالة والتطوع المعرفي إنها المسيرة ذاتها لحماية العقول ومكافحة الجريمة لكنها ارتدت ثوب المؤسسية العصرية وانتقلت من مجالس الكبار الشفهية إلى محراب العدالة والنظام والعمل التطوعي المؤطر برعاية ملكية سامية. هذا التحصين الفكري الاستباقي يساهم بشكل مباشر في صيانة الأمن المجتمعي ويخفف الأعباء الإجرائية والقضائية عن مؤسسات الدولة والأجهزة الأمنية وهو العائد الاجتماعي الأسمى والأثرالممتد الذي تسعى الجائزة الملكية السامية إلى رعايته وتعميمه كنهج وطني مستدام .
بيت العطار: امتداد العهد ومسيرة الوفاء الوطنية .
إن بيت المختار ياسر العطار القيسي في بيادر وادي السير وعمان يثبت اليوم بهذا الامتداد الفكري أن الوجاهة الحقيقية ليست لقباً عابراً أو مظهراً اجتماعياً يُورث بل هي مسؤولية وطنية وفكرية معقدة تُحمل في حدقات العيون وتتطور بتطور العصر ولكي تكتمل حلقة الوفاء يبقى المختار ياسر العطار حاضراً بأثره حياً بعقبه الصالح فبينما يذود الابن المحامي في محراب القانون والوعي المعرفي تحت لواء جائزة ولي العهد المعظم ، يكمل إخوته وأبناء هذا البيت العريق مسيرة العهد من خلال توزيع جهودهم بكل شرف وإخلاص في خدمة مؤسسات الدولة والأجهزة الأمنية والعسكرية دفاعاً عن تراب الأردن الطهور لتبقى سيرة المختار الراحل نابضة بالعطاء ولتظل مبادرة محراب القانون الشاهد الأبرز على أن أصالة الجذور الأردنية قادرة دائماً على إنتاج معاصرة تشريعية تحمي الفكر وتصون المستقبل تحت ظل القيادة الهاشمية الحكيمة .