لم يكن لقاء جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، مع غبطة البطريرك دانييل، بطريرك بلغاريا ومتروبوليت صوفيا ورئيس الكنيسة الأرثوذكسية البلغارية، في قصر الحسينية بالعاصمة عمّان، مجرد لقاء بروتوكولي عابر، بل حمل رسالة دينية وروحية وإنسانية تتجاوز حدود الأردن وبلغاريا.
فعندما يؤكد جلالة الملك التزام الأردن بصون الوجود المسيحي في المنطقة، وتعزيز قيم العيش المشترك والتسامح والاحترام المتبادل بين أتباع الديانات المختلفة، فإنه يوجّه إلى العالم رسالة واضحة مفادها أن المسيحية ليست غريبة عن هذه الأرض، ولا ضيفاً عليها؛ بل هي ابنة هذه الأرض، ومنها انطلقت رسالتها إلى العالم.
هنا عاش السيد المسيح، وهنا دوّت البشارة، وهنا ارتبطت أحداث مفصلية من تاريخ المسيحية. وعلى ضفاف نهر الأردن، جرى تعميد السيد المسيح على يد يوحنا المعمدان.
ومن هنا، فإن صون الوجود المسيحي في الأردن وفلسطين والقدس وبلاد الشام لا يعني مجرد حماية جماعة دينية، بل هو حفاظ على ذاكرة هذه الأرض وتاريخها وإرثها الروحي والثقافي، وعلى ذلك التنوع الذي يشكل جزءاً أصيلاً لا يتجزأ من هويتها.
وقد حوّلت زيارة البطريرك دانييل إلى موقع المغطس، وكذلك إلى مادبا وكنيستها التي تحتضن خارطة الأرض المقدسة الشهيرة، هذه الرسائل إلى واقع حي وملموس. فوجود رأس الكنيسة الأرثوذكسية البلغارية على ضفاف نهر الأردن، واطلاعه المباشر على المواقع المرتبطة بالتاريخ المبكر للمسيحية، يشكلان تأكيداً على عمق الصلة الروحية التي تربط بلغاريا بالأرض المقدسة.
وتكتسب دعوة جلالة الملك عبدالله الثاني للبطريرك دانييل للمشاركة في إحياء ذكرى مرور ألفي عام على معمودية السيد المسيح في الأردن عام 2030 أهمية خاصة. فمن شأن هذه المناسبة أن تجعل من الأردن مركزاً عالمياً لإحياء الاهتمام بالجذور الأولى للمسيحية، وبالأماكن المقدسة المرتبطة بتاريخها.
وبالتوازي مع ذلك، أكد جلالة الملك استمرار الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس. ويأتي ذلك في إطار رؤية أردنية تعتبر حماية المقدسات، وصون حرية العبادة، والحفاظ على التنوع الديني، مسؤولية تتجاوز حدود أي جماعة دينية بعينها.
وهنا تتجلى خصوصية الرسالة الأردنية؛ فحماية المسيحية لا تتعارض مع الإسلام، وصون الكنيسة لا ينتقص من احترام المسجد، والعيش المشترك بين المسلمين والمسيحيين ليس تنازلاً من طرف للآخر، بل هو جزء أصيل من تاريخ بلاد الشام وهويتها.
ومن هذا المنطلق، فإن المسيحي الأردني ليس غريباً عن الأردن، والمسيحي المشرقي ليس وافداً على الشرق الأوسط. إنهم أبناء هذه الأرض وبناتها، شركاء في تاريخها وحاضرها ومستقبلها. ووجودهم جزء من هوية المنطقة، وليس استثناءً منها.
أما على صعيد العلاقات الأردنية البلغارية، فإن لقاء جلالة الملك عبدالله الثاني بالبطريرك دانييل يفتح آفاقاً مهمة لبناء جسور التواصل وتعميقها بين البلدين، وبين الشرق المسيحي وأوروبا الأرثوذكسية، في مجالات الحوار بين الأديان، والثقافة، والسياحة الدينية، وحماية التراث، والتواصل الإنساني.
إنها صورة قوية وعميقة الدلالة: ملك الأردن، في قلب الأرض المقدسة، يستقبل رأس الكنيسة الأرثوذكسية البلغارية.
ومن الأردن إلى العالم، تنطلق رسالة مفادها أن الأرض المقدسة يجب ألا تكون أرضاً يُهجَّر منها أبناؤها وبناتها، بل أرضاً يعيش فيها المسلمون والمسيحيون جنباً إلى جنب. وأن الأماكن المقدسة يجب ألا تتحول إلى وقود للصراعات، بل إلى جسور نحو السلام. وأن المسيحية في موطنها الأصلي لا ينبغي أن تتحول إلى مجرد ذكرى في كتب التاريخ، بل يجب أن تبقى إيماناً حياً، وحضوراً حياً، ورسالة محبة وسلام.
لهذا، لم يكن لقاء جلالة الملك عبدالله الثاني بالبطريرك دانييل مجرد لقاء بين ملك وبطريرك، بل كان لقاء بين الأردن وبلغاريا، وبين جغرافيا المسيحية الأولى وكنيسة أرثوذكسية عريقة، وبين التاريخ والحاضر والمستقبل.
إنها رسالة يستحق العالم أن يسمعها:
من الأردن، من ضفاف نهر الأردن، لا تزال المسيحية حية في موطنها الأصلي. ولا يزال هذا البلد يؤمن بأن صون التنوع، وحماية الأماكن المقدسة، واحترام الإنسان، والحوار بين الأديان، من أقصر الطرق إلى السلام.