حتى لا تفوتك آخر الأحداث والأخبار العاجلة
الرفيد..
حكاية أرض تحفظ ذاكرة المكان وتصنع من الأصالة جسرا نحو المستقبل
نيروز
– محمد محسن عبيدات
في أقصى
تفاصيل الريف الأردني، حيث تتعانق الأرض مع الإنسان، وتحفظ الحقول أسماءها القديمة
كما تحفظ البيوت الحجرية حكايات أهلها، تروي الرفيد في محافظة إربد واحدة من الحكايات
التي تختصر علاقة الأردني بالأرض والمكان والذاكرة. فهي ليست مجرد قرية تتوزع بيوتها
على مساحة جغرافية، وإنما حكاية متكاملة من الزراعة والتاريخ والعادات والتقاليد، ومجتمع
حافظ على جذوره وهو يفتح نوافذه على المستقبل.
وتبلغ
مساحة الرفيد نحو 10.47 كيلومتر مربع، منها 1.12 كيلومتر مربع داخل حدود التنظيم، فيما
تمتد 9.35 كيلومتر مربع خارج التنظيم، الأمر الذي يعكس طبيعتها الريفية والزراعية واتساع
رقعتها التي ما تزال تحتفظ بمساحات مهمة من الأراضي الزراعية والطبيعية، بما يجعلها
أمام فرص واعدة للتنمية والتوسع العمراني المنظم مع الحفاظ على خصوصية المكان وهويته
الزراعية.
وللرفيد
جغرافيا تحمل ذاكرة أهلها، فالأحواض الزراعية ليست مجرد مسميات على الخرائط، وإنما
صفحات من تاريخ المكان، تتوزع بين بساتين عين الرفيد، وبلوعيا الجنوبي والشمالي، وأم
رمانة، والحريق، والمحجر، والبرنس، وشعب الراهب، والكرم، والبلد، والسنينة الشرقي والغربي،
وغزيلان، وبستا، والمصاية، والوادي، وعين أم رشيد، وكرم أرشيد، والرقيقة، ومرعي شفا
عين، وشعب النينة، وشعب نحلة، وأبو السوس الشرقي والغربي، والداير، وأسفارة، والبيادر،
وجلمة اللوز، والبقعة، وبطين زور النصايرة، وطباق الشريط، وزور النصايرة.
وتكشف
هذه التسميات عن علاقة عميقة بين الإنسان وأرضه، فقد ارتبطت حياة أبناء الرفيد تاريخيا
بالزراعة واستثمار الأرض، ولا سيما زراعة الزيتون والمحاصيل الحقلية والأشجار المثمرة،
فيما بقيت أسماء الأحواض والأودية والينابيع حاضرة في الذاكرة الشعبية، تتناقلها الأجيال
بوصفها جزءا من هوية المكان وسجله الجغرافي والاجتماعي.
وبحسب
بيانات دائرة الإحصاءات العامة لعام 2024، بلغ عدد سكان الرفيد 3647 نسمة، منهم
1851 من الذكور و1796 من الإناث، موزعين على نحو 768 أسرة، في مجتمع ريفي حافظ على
تماسكه الاجتماعي وروابطه الأسرية والعشائرية، وظل الإنسان فيه مرتبطا بالأرض والمضافة
والديوان والمناسبات الاجتماعية، إلى جانب انخراطه في القطاعات التعليمية والخدمية
والتجارية والزراعية وغيرها.
ويرتبط
اسم الرفيد، في إحدى الروايات اللغوية المتداولة، بالفعل العربي "رفد"، بما
يحمله من معاني العطاء والإعانة ورفد الماء والخير، وهي دلالات تتقاطع مع طبيعة المنطقة
وخصوبة أرضها وارتباطها بالمياه والزراعة، غير أن أصل التسمية يبقى بحاجة إلى مزيد
من البحث والتوثيق التاريخي للوصول إلى رواية علمية أكثر ثبوتا.
وفي الرفيد
لا تزال العمارة القديمة تتحدث بلغة مختلفة؛ فالبيوت الحجرية والمضافات والمباني الريفية
القديمة تختزن صورة عن حياة الآباء والأجداد، حين كان البيت وحدة سكنية واجتماعية واقتصادية
في آن واحد، يرتبط بالحقل والمواشي والمرافق الزراعية، وتتشكل من خلاله شبكة العلاقات
التي صنعت شخصية المجتمع المحلي.
وتزداد
جمالية الرفيد في طبيعتها التي تجمع الأودية والمساحات الزراعية والمشهد الريفي المفتوح،
ولا سيما في فصل الربيع، حين تكتسي الأرض بالخضرة وتزدهر الأشجار والنباتات. ومن هنا
تبرز إمكانية تطوير مسارات للسياحة الريفية والبيئية والثقافية تربط بين الطبيعة والبيوت
القديمة والمعالم الدينية والمعاصر الحجرية، وتقدم للزائر قصة المكان بدلا من الاكتفاء
بمشاهدة معالمه.
وفي سجل
الإدارة المحلية، شهدت الرفيد محطة مهمة مع تأسيس المجلس القروي عام 1968، قبل أن يتحول
عام 1994 إلى بلدية حملت اسم "بلدية الرفيد"، لتدخل البلدة مرحلة جديدة من
العمل الإداري والخدمي. وخلال الفترة الممتدة من 1994 إلى 2001، تعاقب على رئاسة البلدية
ثلاثة رؤساء، كان أولهم المهندس ثاني ثاني الجراح الذي ترأس لجنة البلدية خلال عامي
1994 و1995، ثم السيد سعد الدين سالم إبراهيم عبيدات خلال الفترة من 1995 إلى 1999،
تلاه السيد عارف محمد سعد عبيدات من عام 1999 وحتى 2001، في مرحلة شكلت جزءا من مسيرة
تطور الإدارة المحلية في البلدة.
كما تطورت
في الرفيد المؤسسات التعليمية والدينية والخدمية، إذ تضم ثلاث مدارس تخدم أبناء البلدة،
تشمل مدرسة للبنين وأخرى للبنات ومدرسة مختلطة، إلى جانب أربعة مساجد ومصليات ومركز
قرآني، فيما يوفر المركز الصحي خدمات الرعاية الصحية الأولية، وتوجد فيها جمعيات خيرية
وزراعية وتعاونية، إلى جانب مجلس منطقة يتابع عددا من القضايا المحلية.
وتقدر
المؤسسات الخدمية والمجتمعية في البلدة بنحو 13 مؤسسة، فيما تظل الحاجة قائمة إلى تعزيز
بعض القطاعات، خصوصا ما يتصل بالشباب والثقافة والرياضة والبريد والعمل الخيري، بما
يتيح مساحة أوسع أمام المبادرات المجتمعية والتطوعية، ويعزز مشاركة الشباب والمرأة
في صناعة الحياة العامة.
وقد وصلت
إلى الرفيد خدمات المياه والكهرباء والاتصالات والطرق، وأسهمت هذه الخدمات في تعزيز
الاستقرار السكاني والنشاط العمراني، إلا أن التوسع المستمر يفرض الحاجة إلى تطوير
البنية التحتية وتحسين الطرق والخدمات العامة وشبكات تصريف مياه الأمطار، بما ينسجم
مع احتياجات السكان والتوسع المستقبلي.
وفي الحياة
الاجتماعية، تبقى المضافات والدواوين واحدة من أكثر الصور تعبيرا عن هوية الرفيد؛ فهي
ليست مجرد أماكن للضيافة، بل فضاءات للتشاور والتواصل وإصلاح ذات البين واستقبال الوفود
وإقامة المناسبات، وفيها تحفظ الحكايات الشعبية وتنتقل روايات الآباء والأجداد من جيل
إلى آخر.
وتضم الرفيد
خمس ديوانيات رئيسية تتبع للعشائر والعائلات الكبرى، من بينها ديوان آل إبراهيم، وديوان
آل فياض، وديوان آل السعد، وديوان آل سويدات، وديوان آل الخلايلة، إلى جانب مجالس ودواوين
خاصة لعائلات أخرى، وقد شكلت هذه الدواوين على امتداد السنوات مساحة للتكافل والتواصل
الاجتماعي وحضور المناسبات الوطنية والدينية والاجتماعية.
وتحافظ
الرفيد على منظومة من العادات والتقاليد التي ما تزال حاضرة في الأفراح والأتراح والمناسبات
الوطنية والدينية، من إكرام الضيف واحترام الكبير ومساندة الأقارب والجيران، وهي قيم
أسهمت في تعزيز تماسك المجتمع المحلي والحفاظ على هويته الاجتماعية.
ومن بين
معالم الرفيد الحديثة تبرز الحديقة العامة التي أنشئت بمكرمة ملكية سامية، لتكون متنفسا
للعائلات والأطفال ومكانا للأنشطة الاجتماعية والترفيهية، وهي مساحة يمكن توظيفها بصورة
أكبر في إقامة الفعاليات الثقافية والشبابية والبيئية، بما يعزز حضورها في الحياة العامة
للبلدة.
أما الزراعة،
فتظل واحدة من ركائز الاقتصاد المحلي، وفي مقدمتها الزيتون وإنتاج زيت الزيتون والمحاصيل
الزراعية، إلى جانب المحال التجارية والمنشآت التي تلبي احتياجات السكان وتدعم الحركة
الاقتصادية المحلية. وتبرز في هذا السياق فرص لدعم التصنيع الغذائي المنزلي وتسويق
المنتجات الزراعية وتفعيل الجمعيات الزراعية والتعاونية، بما يمكن أن يسهم في توفير
فرص اقتصادية جديدة للأسر والشباب والمرأة.
وفي ذاكرة
الرفيد أسماء ارتبطت بالمكان وتركت حضورها في الرواية المحلية، وفي مقدمتها الشيخة
موزة العبيدات التي عرفت بلقب "أميرة الحج العثماني"، وهو لقب ارتبط بمكانتها
ودورها في مرحلة تاريخية تعود إلى العهد العثماني. وتمثل سيرتها، وما ارتبط بها من
روايات محلية، جانبا لافتا من التاريخ الاجتماعي للمنطقة، ولا سيما فيما يتعلق بمكانة
المرأة ودورها في المجتمع، وهي سيرة تحتاج إلى المزيد من البحث والتوثيق والتحقيق التاريخي.
كما يبرز
اسم الشيخ إبراهيم السعد الدين عبيدات، الذي ارتبط بالحضور الاجتماعي والديني والعشائري،
وكان من الشخصيات التي ارتبطت بذاكرة المجتمع المحلي وقيمه وتقاليده. وتشكل سيرته،
إلى جانب سيرة الشيخة موزة العبيدات وغيرها من أبناء الرفيد، جزءا من تاريخ المكان
الذي لا تكتمل قراءته بالجغرافيا وحدها، وإنما بالشخصيات التي عاشت فيه وأسهمت في صناعة
ذاكرته.
كما تحتفظ
البلدة ببيوت ومضافات تراثية بنيت وفق الطراز الريفي الأردني، بما يمنحها قيمة معمارية
وثقافية يمكن البناء عليها في مشروع لحماية التراث العمراني المحلي، وربط هذه المباني
بالأحواض الزراعية والأودية والمعالم الدينية والمعاصر القديمة ضمن مسارات للسياحة
الثقافية والريفية.
ولم تكن
الرفيد عبر تاريخها مجرد أرض تنتج الزيتون والمحاصيل، بل أنجبت شخصيات وطنية واجتماعية
وأكاديمية ووجهاء وشيوخ عشائر أسهموا في خدمة المجتمع والوطن في مجالات متعددة. وتبقى
عملية توثيق سير هؤلاء ومسيراتهم واحدة من أهم الوسائل لحفظ الذاكرة المحلية وتعريف
الأجيال الجديدة بالنماذج التي خرجت من هذه البيئة وأسهمت في مسيرة الوطن.
ومن مجموع
هذه التفاصيل تتشكل صورة الرفيد؛ أرض زراعية تحتفظ بأسماء أحواضها، وقرية تحفظ بيوتها
القديمة، ومجتمع يصون مضافاته ودواوينه، وبلدة تتطلع إلى تطوير خدماتها ومؤسساتها،
ومكان يحمل في ذاكرته أسماء شخصيات صنعت حضورا يتجاوز حدود الجغرافيا.
إن الرفيد
تقف اليوم أمام فرصة حقيقية لتحويل هذا الإرث المتنوع إلى مشروع تنموي متكامل، يقوم
على حماية الأراضي الزراعية، ودعم الزراعة والمنتجات المحلية، وتحسين البنية التحتية،
وتطوير المرافق الشبابية والثقافية والرياضية، والعناية بالمعالم الدينية والتراثية،
وتشجيع المشاريع الصغيرة والأسر المنتجة، إلى جانب توثيق تاريخ البلدة وأحواضها وأعلامها
ورواياتها الشعبية.
وهكذا
تبقى الرفيد حكاية مكان وإنسان؛ حكاية بدأت من الأرض ولم تنته عند حدودها، حكاية تختزنها
شجرة الزيتون، وتحفظها حجارة البيوت القديمة، وترددها المضافات والدواوين، وترويها
أسماء الأحواض والشخصيات، وتمضي بها أجيال جديدة نحو المستقبل. وفي هذه المعادلة بين
أصالة الجذور وطموح الغد، تكتب الرفيد فصلها الجديد من حكاية الريف الأردني، محافظة
على ذاكرتها، ومتمسكة بهويتها، ومؤمنة بأن المكان الذي يحفظ تاريخه يستطيع أن يصنع
مستقبله.