إربد – في مركز إربد الثقافي، حيث تتعانق المعرفة بالفن، وتجد المواهب مساحتها لتتشكّل وتنمو، تتخذ الموسيقى مكانها بوصفها لغةً للروح، ووسيلةً لاكتشاف الذات وصقل الموهبة. وفي هذا الفضاء الثقافي، يبرز الأستاذ وليد الخطيب، مدرّب آلة العود، بوصفه نموذجًا للمعلّم الذي لا يكتفي بتعليم مهارات العزف، بل يسعى إلى بناء علاقة حقيقية بين المتدرّب والآلة، تقوم على الفهم والصبر والشغف.
ويمتلك الخطيب قدرةً واضحة على الجمع بين المعرفة الموسيقية وحسن التوجيه، وتبسيط المعلومة وإيصالها بأسلوب هادئ ومتدرّج يراعي اختلاف مستويات المتدرّبين. ومعه لا يبدو العود مجرد آلةٍ خشبية تتردد أوتارها، وإنما يتحول إلى لغةٍ لها مفرداتها وإيقاعها وروحها؛ لغة تحتاج إلى أذنٍ تصغي، ويدٍ تتدرّب، وقلبٍ يؤمن بأن الوصول إلى الإتقان يبدأ من المحاولة.
ولا تكمن قيمة المعلّم الحقيقي في كمية المعلومات التي ينقلها إلى طلابه فحسب، وإنما في الأثر الذي يتركه في نفوسهم، وفي الشغف الذي يزرعه داخلهم، والثقة التي يمنحهم إياها وهم يخطون خطواتهم الأولى. ومن هنا تأتي أهمية تجربة الأستاذ وليد الخطيب، الذي يجعل من التدريب رحلةً تتجاوز تعلم النوتة أو الإمساك بالعود، لتصل إلى بناء الحس الموسيقي والانضباط والقدرة على الإصغاء والتعبير.
إن تعليم الموسيقى ليس تدريبًا على الأداء وحده، بل هو إسهام في بناء الذائقة الإنسانية؛ فالنغمة الجميلة تحتاج إلى إحساس، والإيقاع يحتاج إلى انضباط، والموسيقى في جوهرها تعلّم الإنسان أن يصغي للآخر كما يصغي إلى صوته الداخلي. ومن هنا تكتسب مثل هذه التجارب الثقافية أهميتها، لأنها تفتح أمام المتعلّمين أبوابًا جديدة للتعبير والإبداع.
وفي هذه المناسبة، يستحق مركز إربد الثقافي التقدير على ما يتيحه من مساحات حقيقية أمام الراغبين في التعلم وممارسة الفنون، وعلى إيمانه بأن الثقافة لا تُختزل في الفعاليات والمناسبات، وإنما تُبنى أيضًا من خلال التدريب، واكتشاف المواهب، وإتاحة الفرصة أمام الإنسان ليقترب من الفن ويجعله جزءًا من حياته.
كما أتوجه بجزيل الشكر والتقدير إلى الأستاذ فتحي الضمور، مدير المسرح، على اهتمامه ودعمه وحرصه على توفير بيئة ثقافية وفنية تحتضن المواهب، وتمنحها فرصة التعلم والممارسة والتطور. فخلف كل مساحةٍ تُفتح أمام الموهبة، أشخاص يؤمنون بأن الاستثمار في الإنسان هو أجمل أشكال الاستثمار، وأن الثقافة حين تجد من يرعاها، تصبح أثرًا ممتدًا يتجاوز حدود المكان والزمان.
وكل الشكر للأستاذ وليد الخطيب؛ لأن بعض المعلّمين يعلّمونك كيف تعزف، أما المعلّم الذي يترك أثرًا فيك، فيعلّمك كيف تُصغي إلى النغم، وكيف تمنح الصمت معنى، وكيف تجعل من وترٍ واحد حكايةً تستحق أن تُروى.