قبل أن يظهر الصابون على شكل قطع معطّرة في المتاجر ، كان مادة بدائية تُصنع من رماد الخشب وزيوت بسيطة . ومع ذلك ، كان بعض الشعوب أكثر تقدّمًا من غيرها في فهم النظافة كقيمة يومية وليس للرفاهية فقط .
أقدم وصف حقيقي لصناعة الصابون ظهر في بلاد الرافدين قبل أكثر من 4500 سنة ، حين خلط السومريون الزيوت مع القلويات لصنع مادة تُستخدم لتنظيف الأقمشة والجلد . ما فعله هؤلاء لم يكن بدائيًا كما نظن — كان خطوة تقنية سبقت العالم بقرون .
لكن الحضارة التي دفعت فكرة النظافة إلى مستوى آخر كانت روما . الحمّامات الرومانية ، " أماكن للغسل " ، كانت جزءًا من نمط الحياة : تسخين المياه بمهارة ، غرف بخار ، أدوات تنشيف ، وزيوت معطّرة . الرومان لم يعتمدوا على الصابون بقدر اعتمادهم على " الستريجيل " ، أداة معدنية لكشط الأوساخ والزيوت عن الجلد . هل هذا أفضل ؟ ليس بالضرورة . لكنه كان نظامًا فعالًا لبيئتهم .
في العصور الوسطى ، ظهرت النسخة الأقرب لما يشبه صابون اليوم . مدن مثل حلب وبغداد ودمشق كانت تنتج صابونًا حقيقيًا بجودة عالية ، مع خلطة زيت الزيتون والقلوي . وهي أصل صابون " حلب " الشهير . المصانع كانت منظمة ، والمنتج يُصدَّر إلى أوروبا .
هذا الصابون هو الذي ألهم مصانع مرسيليا لاحقًا ، ومنها خرجت صناعة الصابون الأوروبية الحديثة . وتتوج الحرف التراثية الأصيلة الهوية الحضارية والاقتصادية للمشرق العربي ، وتأتي صناعة الصابون في طليعة الصناعات التقليدية التي ارتبطت ارتباطاً وثيقاً بمدن بلاد الشام وعراقتها ، معتمدةً بشكل أساسي على وفرة زيت الزيتون والمواد الطبيعية المحلية . ويعتبر الصابون النابلسي إلى جانب الصابون الحلبي وصابون خان الصابون التاريخي في طرابلس اللبنانية نماذج فريدة وأنواعاً أصيلة تشتهر بها مدن بلاد الشام ، حيث يتميز الصابون النابلسي بلونه الأبيض الناصع وخلوه من العطور الاصطناعية واعتماده التاريخي على مكونات نقية تتألف من زيت الزيتون البكر الممتاز ، والماء ، ومادة قلوية تُعرف بـ " القلي " المستخلصة من رماد النباتات البرية ، بينما يكتسب الصابون الحلبي والطرابلسي شهرتهما العريقة المضافة بإضافة زيت الغار والزيوت العطرية الطبيعية لزيادة فوائدهما العلاجية والتجميلية . يُحضر هذا الصابون العريق عبر عمليات طبخ دقيقة داخل المعامل والمصابن التاريخية الكبرى في مدن مثل نابلس وحلب وطرابلس ( حيث يضرب خان الصابون التاريخي بجذوره لنحو ست مئة سنة منذ أن أسسه الوالي في عهد المماليك يوسف بك سيفا عام 1480 م ) ، حيث يُمد السائل على مساحات واسعة مخصصة ويُترك ليجف قبل أن يُقطع يدوياً بختم العلامة الخاصة بالعائلة أو المعمل ليعكس براعة الصانع وحكمته الموروثة .
الجذور التاريخية والرحالة الأوائل :
يرجع التاريخ ومؤرخوه أصول صناعة الصابون في بلاد الشام إلى جذور عميقة وموثقة بوضوح في مدن مثل حلب ونابلس وطرابلس منذ قرون عديدة وأكثر من ألف عام مضت ، مستدلين على ذلك بالكثير من الكتابات التي دونها الرحالة والمؤرخون والجغرافيون وكتب الحسبة والطب والكيمياء ، ومنهم شمس الدين محمد بن أبي طالب الأنصاري " المقدسي " . عاش هذا المؤرخ في القرن العاشر الميلادي ، وتحدث عن صناعة الصابون ، وقال إنه كان يصنع في المدينة ويحمل إلى سائر البلاد . وعندما زارها عام 1200 م كتب : « ترمز هذه المدينة إلى قصر بين البساتين أنعم الله عليها بشجرة الزيتون المباركة » .
وقد كان الصابون الشامي النابلسي والحلبي والطرابلسي يحظى بقيمة اقتصادية وثقافية رفيعة على امتداد بلاد الشام ، إذ كان يتم إرسال الصابون إلى دمشق ليستخدم في تنظيف المسجد الأموي ، كما كان يصدر إلى العديد من البلدان وجزر البحر الأبيض المتوسط . وقد اعتمد صناع الصابون التاريخيون في نابلس بشكل جوهري على جلب مادة " القلي " القلوية ( الأشنان أو الحرض ) التي كانت تحتكر تجارتها قبائل البدو في جبال البلقاء بشرق الأردن وتجعل منها مصدراً للدخل لاستخدامها في غسل الثياب وتزويد المصانع بها ، مما خلق شبكة تجارية واقتصادية متكاملة ربطت المدن الكبرى بقرائها وباديتها . لتشكل الضفة الشرقية لنهر الأردن ( الأردن حالياً ) وسلطها والبلقاء السوق الرئيسة لتصريف الصابون النابلسي ، ومصدر التزود الأساس بمادة " القلي " عبر طرق التجارة والقوافل القديمة التي ربطت بين مدن شمال الأردن ونابلس وعجلون والبلقاء . ومما يوثق هذا الامتداد التاريخي ما أشارت إليه المصادر التاريخية والمخطوطات القديمة من أن أشكالاً من الصابون والحجارة الصلبة المنظفة كانت تصدر إلى فلسطين ومصر من المناطق النهرية القريبة من عمان بشرق الأردن .
وفي خمسينيات القرن الماضي ، برزت محطات تطويرية جديدة في مسيرة هذه الصناعة ، من أبرزها إدخال ما كان يُسمى " الصابون الأخضر " إلى نابلس ، وهو صابون نوعي مصنوع من زيت الجفت منخفض التكلفة والذي أسهم في تنويع خيارات الإنتاج وتوسيع دائرته التجارية .
حقبة الصليبيين وانتقال الصنعة إلى أوروبا :
في زمن الاحتلال الصليبي لفلسطين ، حظيت نابلس بمكانة مهمة لشهرتها بصناعة أهم أنواع الصابون ، حتى إن هذه الصناعة أصبحت حكراً على الملك فهو المسؤول عنها ، ولا يسمح لأي من أصحاب المصانع بمزاولة الصنعة إلا بعقد يمنحه لهم ملك " بيت المقدس " مقابل مورد مالي دائم من أصحاب المصانع .
ولم يكتف الصليبيون بذلك ، بل اجتهدوا في نقل الصنعة إلى أوروبا ، وتأسست مصانع الصابون المصنوعة من زيت الزيتون في مدينة مرسيليا ، وكانت هذه المصانع تحضر الصابون بطريقة مشابهة لطريقة تحضير الصابون النابلسي .
هزات التاريخ وتحديات القرن العشرين :
في عام 1930 م ، نكست صناعة الصابون في نابلس بهزة قوية كان سببها عدم حماية الاسم التجاري ، وهو ما شجع العديد من أصحاب المصانع التجارية على تقليد علامة الصابون والإضرار بسمعته ومكانته . ثم تلت ذلك عقبات اقتصادية أخرى تتمثل في الضرائب الجمركية التي فرضتها الحكومة المصرية بالتعاون مع حكومة الانتداب البريطاني ، وتلتها رسوم الاستهلاك التي فرضتها الحكومة السورية على الصابون النابلسي ، لتعاني هذه الحرفة العريقة من تحديات جسام أثرت على مسيرتها الإنتاجية والتصديرية .
امتداد متجدد : الحرفة في العصر الحديث :
لم تقتصر هذه الحرفة على الماضي العريق ، بل امتدت جذورها لتثمر مشاريع رائدة في العصر الحديث تحافظ على التراث وتدعم التنمية المحلية في ربوع بلاد الشام . ومن أبرز هذه الشواهد تأسيس بيت الصابون في محمية غابات عجلون بالأردن عام 2007 م بدعم من الجمعية الملكية لحماية الطبيعة لتمكين النساء الريفيات ، حيث يُصنع الصابون يدوياً من زيت الزيتون البلدي الخالص المستخرج من جبال عجلون ، مضافاً إليه العسل والحليب وأعشاب البيئة المحلية كالنعناع وإكليل الجبل والبابونج .
وقد امتد هذا الحضور العطري لينتقل إلى قلب العاصمة الأردنية عمّان ، حيث افتتح " بيت الصابون الأردني " ( أو ما يُعرف ببيت عصفور التراثي ) في منطقة جبل عمّان العريقة وتحديداً في أواخر شارع الرينبو ، ليشكل نافذة ثقافية وسياحية تعرض أشكالاً متعددة من الصابون الطبيعي المستخلص من زيوت وأعشاب المنطقة . وتتواصل هذه الجهود الحرفية في مناطق أردنية عديدة اليوم مثل السلط وعجلون لإنتاج أنواع محلية من صابون زيت الزيتون الحرفي كجزء أصيل من التراث الموروث .
هكذا يظل التراث الصناعي العريق في بلاد الشام شاهداً حياً على عبقريّة الإنسان وتفاعله الواعي مع بيئته ، ليتحول زيت الزيتون المبارك ومكونات الطبيعة الخام إلى رغوة نقية ترسم هوية اقتصادية وحضارية متجددة ، تثبت قدرة الأجيال على صون الموروث واستثماره بندى الحاضر وآفاق المستقبل .
قائمة المصادر والمراجع :
1 ) المواقع الإخبارية والتقارير الصحفية التوثيقية :
أ ) شبكة أجيال الإعلامية ، مقال وتوثيق تاريخي حول صناعة الصابون .
ب ) وكالة الأنباء والمعلومات الفلسطينية / منصات إعلامية محلية ، تقارير حول الرابط التاريخي والاقتصادي بين البلقاء ونابلس .
ت ) شبكة الجزيرة الإعلامية ، تقرير مصور وتاريخي عن خان الصابون التراثي في طرابلس : رابط التقرير .
2 ) المصادر التاريخية والجغرافية القديمة :
أ ) شمس الدين محمد بن أبي طالب الأنصاري " المقدسي " ، مؤلفات رحلاته وجغرافيته التاريخية ( القرن العاشر الميلادي / القرن الثاني عشر الميلادي ) .
ب ) كتب الحسبة والطب والكيمياء العربية الإسلامية التي وثقت قواعد صناعة الصابون والزيوت في حلب ونابلس ودمشق .
3 ) المراجع المؤسسية والتنموية الحديثة :
أ ) الجمعية الملكية لحماية الطبيعة ( محمية غابات عجلون ) ، توثيق تأسيس بيت الصابون وبرامج التمكين الريفي لعام 2007 م .
ب ) السجلات السياحية والثقافية لأمانة عمان الكبرى ودائرة الآثار العامة حول المعالم التراثية في جبل عمان ( بيت عصفور / بيت الصابون الأردني ) .