كانت عمّان، منذ فجر التاريخ، مدينة مأهولة بالسكان، إلا أن القرون الأخيرة شهدت تعرضها لعدد من الزلازل والكوارث الطبيعية وانتشار الأوبئة، ومنها مرض الطاعون، الأمر الذي أدى إلى تراجع عدد سكانها بصورة كبيرة، حتى أصبحت تضم أعدادًا قليلة جدًا من السكان.
ويقول الباحث والمؤرخ عمر العرموطي إن عشائر البلقاوية المحيطة بعمّان كانت تحيط بالمدينة «إحاطة السوار بالمعصم»، وكانت ترد بإبلها وأغنامها إلى سيل عمّان أو نهر عمّان لسقايتها، كما كانت تحمل المياه في القِرَب المثبتة على الدواب إلى مضاربها، لتوفير مياه الشرب والاستخدامات المنزلية.
ويشير العرموطي إلى أن عدم استقرار عشائر البلقاوية داخل منطقة سيل عمّان ارتبط، بحسب الروايات التاريخية، بتجنب الأمراض والأوبئة التي كانت تنتشر في تلك المنطقة، ومن بينها الملاريا، إضافة إلى كثرة البعوض والذباب.
وفي عام 1878، وصل إلى عمّان الفوج الشركسي الأول، ثم توالت بعد ذلك أفواج أخرى، الأمر الذي أسهم في عودة الحياة والاستقرار السكاني إلى المدينة، وبدأت عمّان تستعيد مكانتها تدريجيًا كمدينة مأهولة.
وفي عام 1909 تأسست أول بلدية في عمّان، وكان أول رئيس لها إسماعيل بابوق، وهو من أبناء المجتمع الشركسي.
ويذكر العرموطي أن عمّان في تلك المرحلة كانت محدودة المساحة، وتمتد في المنطقة المحصورة تقريبًا بين مبنى أمانة عمّان الكبرى الجديد في رأس العين ومبنى الأمانة القديم في شارع الهاشمي، فيما كان عدد سكانها يتراوح بين ألفين وثلاثة آلاف نسمة، وكانت مساحتها تقدر بنحو 2 إلى 3 كيلومترات مربعة حول سيل عمّان.
ويضيف أن أول خمسة رؤساء لبلدية عمّان كانوا من أبناء المجتمع الشركسي، باعتبارهم من المكونات السكانية الرئيسية في عمّان خلال تلك المرحلة.
وتبقى هذه التفاصيل جزءًا من ذاكرة عمّان وتاريخها الاجتماعي والعمراني، وتكشف كيف انتقلت المدينة من تجمع سكاني محدود حول سيل عمّان إلى العاصمة التي نعرفها اليوم، في رحلة طويلة امتدت عبر عقود من التحولات والنمو.