شهد منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة خطابا تاريخيا لجلالة الملك عبدالله الثاني قدم فيه رؤية أردنية واضحة في لحظة إقليمية ودولية بالغة التعقيد، تتشابك فيها الأزمات السياسية والأمنية والإنسانية، وتتراجع فيها قدرة المجتمع الدولي على تحويل المبادئ التي يعلنها إلى مواقف وإجراءات عملية.
لم يكن الخطاب مجرد عرض للموقف الأردني من التطورات في المنطقة، بل جاء تأكيدا على مجموعة من الثوابت التي تحكم السياسة الأردنية، وتضع في مقدمتها القضية الفلسطينية، وحماية المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس، واحترام القانون الدولي، والحفاظ على أمن الأردن وسيادته، إلى جانب الدعوة إلى تحمل المجتمع الدولي لمسؤولياته تجاه الأزمات الإنسانية والسياسية في المنطقة.
لقد احتلت القضية الفلسطينية والقدس موقعا محوريا في الخطاب، بما يعكس استمرارها كإحدى القضايا المركزية في السياسة الأردنية.
فالأردن ينظر إلى القدس ليس باعتبارها عنوانا سياسيا، بل باعتبارها قضية ترتبط بالهوية العربية والإسلامية والمسيحية للمدينة، وبضرورة الحفاظ على الوضع التاريخي والقانوني القائم فيها.
ومن هنا تأتي أهمية تأكيد جلالة الملك على الدور الأردني في رعاية المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس، في إطار الوصاية الهاشمية، للحيلولة دون المساس بالوضع القائم أو تغيير طابع المدينة وهويتها.
وتكتسب هذه الرسالة أهمية خاصة في ظل استمرار الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وما يرافقه من تداعيات تتجاوز حدود الأراضي الفلسطينية لتنعكس على أمن المنطقة، واستقرارها وعلى مستقبل النظام الإقليمي بأكمله.
كما حمل الخطاب رسالة واضحة بشأن أمن الأردن وسيادته وسلامة حدوده قابلة للمساومة.
ويعكس هذا الموقف طبيعة البيئة الجيوسياسية التي يتحرك فيها الأردن، في منطقة تتقاطع فيها الصراعات المسلحة، وأزمات اللجوء، والتهديدات العابرة للحدود، والتوترات الإقليمية.
وفي هذا السياق، فإن التشديد على أمن الأردن لا يأتي بمعزل عن التطورات المحيطة به، بل يمثل تأكيدا على حق الأردن في حماية أراضه وشعبه والحفاظ على استقراره، مع الاستمرار في التعامل مع أزمات المنطقة وفق مقاربة تستند إلى القانون الدولي والدبلوماسية والحوار.
كما أبرز الخطاب مضامين الدعوة إلى أن يتحمل المجتمع الدولي مسؤولياته القانونية والأخلاقية تجاه ما تشهده المنطقة من أزمات إنسانية.
فالأردن الذي تحمل خلال السنوات الماضية أعباء كبيرة نتيجة أزمات المنطقة واستضاف أعدادا كبيرة من اللاجئين، يدرك أن استمرار الأزمات دون حلول سياسية عادلة ومستدامة يؤدي إلى تعميق حالة عدم الاستقرار وإطالة أمد المعاناة.
ولهذا فإن الرسالة الأردنية لا تقتصر على الدعوة إلى وقف التصعيد، وإنما تتصل أيضا بضرورة معالجة جذور الأزمات، والعودة إلى الحلول السياسية، واحترام قواعد القانون الدولي، وعدم التعامل مع المعاناة الإنسانية باعتبارها نتيجة هامشية للصراعات السياسية والعسكرية.
لقد تميز الخطاب الملكي بجمعه بين لغة الدبلوماسية ووضوح الموقف. فالأردن بحكم موقعه الجغرافي والسياسي، لا يستطيع أن يتعامل مع أزمات المنطقة من موقع المتفرج، لكنه في الوقت ذاته يحرص على أن تكون مواقفه قائمة على الاعتدال، والحوار، واحترام الشرعية الدولية.
ومن أبرز رسائل الخطاب الملكي أن الأردن يسعى إلى ممارسة دور سياسي ودبلوماسي يتناسب مع قدرته وموقعه، مع الحفاظ في الوقت ذاته على مصالحه الوطنية وثوابته التاريخية والقومية.
إن أهمية خطاب جلالة الملك لا تكمن فقط في المواقف التي تناولها، وإنما في قدرته على وضع هذه المواقف ضمن رؤية أشمل لمستقبل المنطقة، فالاستقرار وفق هذه الرؤية لا يمكن أن يتحقق من خلال إدارة الأزمات بصورة مؤقتة، وإنما يحتاج إلى حلول سياسية عادلة، وإلى احترام حقوق الشعوب، وإلى منظومة إقليمية ودولية أكثر قدرة على منع الصراعات قبل اندلاعها ومعالجة أسبابها بعد وقوعها.
ومن هنا يمكن قراءة الخطاب باعتباره تأكيدا على ثوابت السياسة الأردنية، والسلام القائم على العدالة، واحترام القانون الدولي، وحماية القدس ومقدساتها، والحفاظ على أمن الأردن وسيادته، ورفض تحويل المنطقة إلى مساحة مفتوحة للصراع الدائم.
لقد كان حضور جلالة الملك على منبر الأمم المتحدة، في هذه المرحلة الحساسة، تعبيرا عن موقف دولة تعرف إمكاناتها جيدا، وتؤكد في الوقت نفسه على ثوابتها ومصالحها وموقعها في محيطها العربي والإقليمي.
لقد جاءت الرسالة الأردنية واضحة لتؤكد أنه لا يمكن بناء مستقبل مستقر للمنطقة بدون الحل العادل للقضية الفلسطينية، ولا يمكن حماية أمن المنطقة بدون احترام القانون الدولي، ولا يمكن للأردن أن يقبل بأي تهديد لأمنه أو سيادته أو حدوده.
سيبقى هذا الخطاب في وجدان الأردنيين أكثر من مجرد كلمات في محفل دولي، بل هي تعبير عن موقف وطن اعتاد أن يتعامل مع أصعب الظروف بثبات، وأن يحافظ على اعتداله دون أن يتخلى عن ثوابته.
وفي النهاية، تبقى الرسالة الأهم أن الأردن بقيادته الهاشمية سيظل متمسكا بثوابته الوطنية والقومية، وبالدور الذي اختاره لنفسه صوتا للعقل والاعتدال، ومدافعا عن قضايا أمته، وحريصا على أمنه واستقراره، وسط إقليم تتبدل فيه التحالفات وتتزايد فيه الأزمات بشكل مستمر. حفظ الله الاردن وقائد الاردن وولي عهده الامين. بقلم المحامي الدكتور سيف الدين سلطان خصاونه